aren

السوريون حين يتكلمون \\ بقلم : زكريا تامر
الأربعاء - 31 - يناير - 2018

 

مدرستي ذات الباب المفتوح

تعلمت في بطن أمي البكاء بغير دموع، وعندما سحبتني القابلة من بطن أمي لم تعطني لأمي المنتظرة حتى تضمني إلى صدرها وترضعني من حليبها بل طوحت بي إلى طواحين غير مرئية تمزق اللحم وتسحق العظم وترغم الدموع على الإنهمار من دون خجل.

تعلمت أن الإنسان يولد ليعيش برهة ويموت غير آسف.

تعلمت المشي على أربع، فسخر مني القط الذي يعيش في بيت الجيران، وقال لي: هذا ليس مشياً. هذا زحف.

تعلمت أن إحناء الرأس والظهر أمام الأقوياء هو تجسيد بليغ للذكاء والشجاعة.

تعلمت الغناء المعبر عما في الدماء من أحزان وأوجاع، فتصايح الأصدقاء مطالبين بالمزيد، ولكن بعضهم حسد الصمّ.

تعلمت الصراخ، ولكني لم أصرخ.

تعلمت أن الحي خير من الميت من دون أن أتناسى أن الجبان يموت والشجاع يموت والفقير يموت والغني يموت والسارق يموت والمسروق يموت، ولا يبقى غير الموت الباحث عن فرائس جديدة لا وجود لها.

تعلمت أن القناعة كنز لا يفنى، وعشت بين هؤلاء الذين يجهلون أنهم مالكو الكنوز.

تعلمت أن آكل في اليوم الواحد وجبة واحدة، فقيل لي بتأنيب إني محب لبطن شره سيقتلني، ففكرت مطولاً في ما قيل لي، وشرعت في التخطيط لأن آكل في الأسبوع وجبة واحدة واثقاً بأنه سيقال لي إن الحريص على صحته وصحة وطنه لا يأكل في الشهر سوى وجبة واحدة.

تعلمت أن أزرع الخضروات والأزهار، ولكني لم أزرع في أرضي إلا بقايا أمي وأبي وإخوتي المقتولين.

تعلمت أن أشيد البيوت، وسكنت في غرفة كاللحد.

تعلمت أن النهار قصير والليل طويل موحش.

تعلمت التكلم مع الحيطان والأطفال، وأخفقت في التكلم مع الرجال والنساء.

تعلمت الركض السريع، وركضت من حفرة إلى حفرة.

تعلمت النوم وأنا أعمل، وتعلمت النوم وأنا أتكلم.

تعلمت التثاؤب رداً على كل خطيب مفوه يبشر بغد وضاء.

تعلمت أن المرأة تهب جناحين لمن تختاره، ولكن جناحيّ لم يحملا جسدي إلى أية قمة، وتحطما على صخر قاع مظلم.

تعلمت أن ألغي عينيّ وأذنيّ حتى لا أرى الدماء المسفوكة ولا أسمع استغاثات الذين يموتون أبشع موت.

وتعلمت الطاعة وأدمنتها، وأطعت الله، وأطعت رسوله وأولي الأمر، وأطعت أيضاً قلبي الذي يصرخ ويعوي، وشاركت في ذبح أولي أمري، ومشيت على قدميّ محملقاً بغضب إلى سماء سوداء.

 من صفحة الفايسبوك الخاصة ب(الكاتب) .

طباعة