aren

السماجة الثقافية للأصولية \\ كتابة : جهاد الزين
الأربعاء - 7 - أغسطس - 2019

women

ليس هينا أن يكون البلد، لبنان، لم يخرج بعد من صدمة هجوم الكنيسة على “مشروع ليلى”. هذا يكشف المدى الانغلاقي المتزايد للبيئات الطائفية اللبنانية مع أن البيئة المسيحية رغم ظهور حواجز الكنيسة المخيفة ثقافيا بين وقت وآخر إلا أنها بيئة لا تُقارَن ليبراليتُها الاجتماعية والثقافية مع تشدّدات البيئة الأصولية المسلمة سنةً وشيعة. الحالة الدرزية حالة محافظة في السياسة والتقاليد الاجتماعية لكنها غير معنية داخل مناطقها بالضبط الثقافي للنتاج المعاصر. وكما أنه لا يمكن ولا يجب أن تُحسَب مهرجانات بيت الدين على انفتاح الحالة الطائفية، لا يمكن أن نَحْتَسِب مهرجانات صور أو مهرجانات بعلبك على انفتاح الحالة الأصولية الشيعية! ولا الآن مهرجانات صيدا على السلفية السنية، رغم أن الغيتو الطائفي، أي غيتو، متقوقع بالتكوين.

من الثابت أن الأحزاب الإسلامية الأصولية العربية لم تنتج إسما كبيرا واحداً في الأدب والمسرح والفنون منذ قرن إلى اليوم. حتى في الأربعين عاما الأخيرة، وقد أصبحت الأصولية الشيعية حاضرة مع الأصولية السنية، بمعزل عن تفاوت أشكال الحضور، لم نسمع إسما لبنانيا أو عراقيا أو يمنيا، وهي بالتحديد أماكن نفوذ وانتشار الأصولية الشيعية، تَحوّل إلى ظاهرة جدية في الأدب والمسرح والفنون عموما.

ليست البيئة الأصولية السنية والشيعية العربية رغم الدور الكبير الذي لعبته وتلعبه عربيا وإقليميا مع كل الكوارث التفكّكية التي تنتج عن سياساتها على شعوب ودول المنطقة، أيا تكن المبررات، بيئة مبدعة ومحترمة في المجال الثقافي المعاصر. لديها ثقافتها، بل لديها عالمها الثقافي وقدرة أحيانا على الانتشار الشعبي، لكنها في المجال الثقافي الحداثي المعترف به بين النخب العربية الليبرالية واليسارية هي بيئة ركيكة النتاجات. قوتها الخطيرة هي في القدرة على تحريك العامة من الناس بأفكار غيبية ومتخلفة وساذجة.

تنمو الثقافة العميقة الإبداعية خارج البيئة الأصولية وأقلامها. في السعودية خارج البيئة الأصولية، وهناك نتاج فائق الأهمية، منه ما نعرفه والكثير مما لا نعرفه في الفن التشكيلي والشعر والرواية. أما في إيران فعلينا الاعتراف أنه وإن كان الفكر الديني لم ينتِج منذ علي شريعتي ثم عبد الكريم سروش، وكلاهما منشقان عن الفكر السائد أو تحولا إلى منشقّين عن الفكر الأصولي، إلا أن هناك استثناء يؤكد القاعدة في إيران هي السينما الإيرانية التي رغم كل الضبط والرقابة والقمع الذي يمارسه النظام الديني فقد احتلت مكانة عالمية إبداعية لمخرجين معظمهم يعمل في إيران ثم يخرج بعضهم لاحقا إلى الرحاب العامرة التي يستقبلهم فيها النقاد الغربيون، وتعرض أفلامهم في أهم العواصم.

لا تفسير عندي للظاهرة السينمائية الإيرانية إلا بأنها الاستثناء الخصب الذي يؤكد القاعدة الضحلة للفقر الثقافي الهائل لدى التيارات الدينية الأصولية، وهي في عمقها بمعزل عن الاختلافات الفقهية السنية والشيعية فقيرة ومُثبَتَة الفقر المريع ثقافيا. ماذا أكثر من الدليل المصري؟ تسعون عاما على تأسيس حركة الإخوان المسلمين في مصر ولم يخرج من هذه الحركة شاعر أو ناقد أو رسام أو روائي واحد ذو قيمة معترفٍ بها عربيا أو دولياً!

حزب الله في لبنان جزء من هذه الضحالة الثقافية الأصولية وليس فيه على المستوى الثقافي أيٌُ ملمح حتى من الاستثناء الإيراني رغم أنه سياسيا ودينيا وأيديولوجيا حزب كامل الولاء للنظام الإيراني. يقيم حزب الله في القرى والضواحي التي يسيطر عليها نظاما “ثقافيا” كاملا من المظاهر والشعارات والأفكار والطقوس . إنه نظام لا ثقافي سمج من حيث انغلاقيته وتكراريته وحتى هرطقاته الأكثر انغلاقا من الطقوس التقليدية التي تحولت في الواقع إلى تقاليد شعبية بسبب تأثير المدرسة الأصولية الإيرانية.

لا أقف هنا ولا يمكن أن أقف ضد حق تيار شعبي في التعبير عن نفسه، ولكني من دون تردد أدين السيطرة المطلقة الممارَسة في القرى والضواحي التي تمنع حرية التعبير الثقافي المكبلة بمحرمات مُحبِطة لأي تنوع. هذا هو الجو نفسه الذي تمارسه التيارات السلفية السنية حين تسيطر على منطقة ما. بهذا المعنى الثقافي كل أصولية دينية هي داعشية. وتدهشك على الصعيد الإسلامي التفسيرات المتطابقة للمحظورات بين كل أنواع “الداعشيات” الثقافية رغم الاختلافات المذهبية والصراعات في الأمن والسياسة والارتباط وطبعا الفقه بينها. بل حين يتدخل المحظور الديني يغيب الفارق التشدّدي بين الأصوليات الدينية كلها على الرغم، كما أشرتُ أعلاه، من تفاوتات التدخل وأحجامه.

هناك سماجة ثقافية ينبني عليها نظام حكم. أزعم أنني هنا “أفْصُل” السياسي عن الثقافي في تقييم هذه الظاهرة وإن كان الأول يحمي الثاني.

ما أنا بصدده هنا هو النظام التلقيني المحمي والمتكرر الذي يحوّل الحياةَ في المناطق إلى نوع من العسكرة الطقوسية للمجتمع. هذه هي السماجة الثقافية. وهذا نوع خاص من “السلبطة” التي تخنق الأوكسيجين الثقافي في أي بيئة.

أما لصوص الطبقة السياسية اللبنانية بمختلف تنويعاتها وفجورهم الفسادي فهذا حديث مختلف. على هذا الصعيد الفسادي ليس لديّ كمواطن أي مطلب لأنه لا أمل عندي في أي إصلاح ولأنه لم يعد ممكنا في الجيل الراهن عمل أي شيء. أعتذر من الذين لا زالوا يملكون بعض التفاؤل ولو أن هذا اليأس قاتلٌ على الصعيد المهني كمعلق سياسي عليه أن يكتب مقالات تبيع الأوهام الإصلاحية ويجب أن تدّعي الترويج لها.

“النهار”

طباعة