aren

الرسم البياني للقاءات بوتين – ترمب \\ كتابة : د. حسام العتوم
الأحد - 6 - يناير - 2019

 

لم يكن متوقعاً لأي قارئ للتاريخ المعاصر وبكامل عمقه أن تندلع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حديقتها الخلفية (أوروبا) باسم الغرب وحلف (الناتو) العسكري مع الاتحاد السوفييتي فور انتهاء الحرب الوطنية العظمى العالميةالثانية(1939–1945) التي انتصرت فيها السوفييت على ألمانيا (النازية) وأدولف هتلر وحلفائه عام 1945، وبمشاركة متأخرة لأميركا وأمام تراجع ملاحظ لأوروبا. ولم يمتلك السوفييت القنبلة النووية وقتها ولو امتلكوها لما استخدموها في حرب دموية بدأتها اليابان وأنهتها أمريكا بضرب اليابان بقنبلتين نوويتين فوق (هيروشيما، وناكازاكي).

ولم تقبل الولايات المتحدة الأميركية آنذاك الصعود المنتصر للاتحاد السوفييتي، فقررت إعلان الحرب الباردة على السوفييت وعلى كافة الصعد، وقوبلت بخطوة مماثلة سوفيتية خاصة بعدما تمكنت موسكو عام 1949 من صنع قنبلة نووية مماثلة لتلك المتوفرة لدى واشنطن عام 1945. والممكن ملاحظته هنا هي نزعة التفوق الأميركي – الأوروبي سابقاً (أي الغرب) على السوفييت وعلى كافة أقطاب العالم، على مستويات الاقتصاد والعسكرة والعلوم والتكنولوجيا.

بوتين (يسار) يتحدث مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ، أثناء حضورهم قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-الباسفيك (APEC) فى مدينة دانانج بوسط فيتنام يوم 11 نوفمبر 2017.

لكن هذه الصورة لم تدوم طويلاً، فانهار الاتحاد السوفييتي نفسه عام 1991، وأعلنت روسيا لوحدها قيادتها لعالم متعدد الأقطاب ومتوازن، وهو الأمر الذي هز صورة أميركا صاحبة ولاية القطب الواحد، وسحب بساط سيطرتها على خارطة العالم، والأدهى من ذلك بدأنا نلاحظ كيف أن أوروبا تنشطر أمام أعين العالم، وفي المقدمة إنجلترا رسمياً في شهر آذار المقبل من عام 2019، وفرنسا تترنح على حراك (السترات الصفراء).وفي الوقت الذي أصبحت فيه الفدرالية الروسية قوة عسكرية تقليدية وغير تقليدية (نووية) عملاقة تتوازن مع الولايات المتحدة الأميركية أوروبا وحلفهما العسكري (الناتو) معاً، وتخلت طوعاً عن حلفها العسكري (وارسو) السوفيتي الطابعفي المقابل، وبحكم تطويرها الدائم لسلاحها لعشر سنوات مقبلة وإلى الأمام، ورغم الفجوة المالية الملاحظة بين وزارتي الدفاع الروسية والأميركية وجنوحها لصالح أمريكا بمعنى (116,6) مليار دولار الميزانية الروسية الدفاعية المعلنة مقابل (700 مليار دولار للميزانية الأمريكية الدفاعية)، وبسبب أن روسيا لا تقبل بأقل من التوازن وحتى التفوق.

وبناءً على ما ذكرته أعلاه فإن أمريكا تتفهم أهمية استمرار عقد لقاءات وحوارات مع روسيا، والعكس صحيح أيضاً بالنسبة لروسيا تعترف علناً بقوة أمريكا العسكرية وبأهمية الحوار واللقاء معها بهدف ضمانة من العالم. وفي المقابل وعلى الجميع أن يعرف بأنه لا توجد دولة على خارطة الأرض تستطيع صد أي عدوان نووي كبير وحتى لو كان ذلك من طرف أمريكا (لا سمح الله وقدر) إلا روسيا فقط.

الجغرافيا السياسية لعبة حصيلتها صفر

وعودة لعنوان المقالة أعلاه فإن الرسم البياني للقاءات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأميريكي دونالد ترمب الرئاسية منذ صعود الأخير إلى سدة الحكم في واشنطن عام 2017 وحتى قبل ذلك، وأن الرئيس بوتين صعد لسدة الكرملين عام 2000 وعاصر مجموعة من الرؤساء الأميركيين مثل (بيل كلينتون، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، والرئيس الحالي دونالد ترمب).

تقول هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة من ص22 وحتى 244 وتحت عنوان روسيا: إعادة الضبط والتقهقر). (… تفسير سبب ضغط بوتين أولاً على الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، للتخلي عن علاقاته الوثيقة بالاتحاد الأوروبي نهاية عام 2013، ولم غزا، من ثم، بعد تفكك حكومة يانوكوفيتش، شبه جزيرة القرم وضمها.

وإذا امتنع بوتين ولم يندفع إلى ما وراء شبه جزيرة القرم نحو شرق أوكرانيا، فليس لأنه فقد شهوته إلى المزيد من السلطة والأراضي والنفوذ. ويرى بوتين والكلام هنا لهيلاري، الجغرافيا السياسية لعبة حصيلتها صفر، إذا فاز فيها أحدهم، لا بد أن يكون الآخر خاسراً.

هذا مفهوم خطير قديم لكنه خطير جداً. وقد تطلب من الولايات المتحدة إظهار القوة والصبر على حد سواء. ولكي نحافظ على علاقتنا مع الروس، وجب علينا العمل معهم على مسائل محددة متى أمكننا ذلك، وحشد الدول الأخرى للعمل معنا من أجل منع سلوكهم السلبي أو الحد منه عند الحادة.

بدا التوصل إلى هذا التوازن صعباً، لكنه ضروري، على ما وجدت طوال أعوامي الأربعة وزيرة).

وتعليقي هنا على ما ورد على لسان الوزيرة هيلاري في كتابها – المذكرات أعلاه – هو بأنه كان يتوجب عليها قراءة الموقف الروسي السياسي لإحداث توازن وعدالة آنذاك في الخطاب الأمريكي، وبعد خالص الاحترام، فروسيا لم تكن يوماً ضد الانضمام الأوكراني للاتحادي الأوروبي وهوما أكده بوتين عدة مرات، وكان من الممكن ليونوكوفيج أن يوقع قرار الانضمام لو أعطي الفرصة الكافية لذلك، وموضوع القرم/ الكريم تاريخي قديم، وهو روسي حتى قبل تحريك خرتشوف له عام 1954، ومضى إلى الأمام وفق إجراءات قانونية واستفتاء شعبي عام في المكان، ولا مطامع لروسيا التي تمتلك أكثر من (17 مليون كيلومتر من المساحة الجغرافية) بشرق أوكرانيا، وتنحصر وظيفتها كمحامي دفاع عن أهل الشرق الذين تربطهم بروسيا علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وطيدة.

وتكتب هيلاري في صفحة (230) منه أيضاً (… وقد اعتقدت والرئيس أوباما عام 2009، أن في وسعنا تحقيق المصالح الوطنية الأمريكية الرئيسية مع روسيا، باعتماد نهج يقوم على ثلاثة عناصر: إيجاد مجالات محددة للتعاون حيث تلتقي مصالحنا؛ البقاء على موقف ثابت حيث تختلف مصالحنا، والانخراط المستمر مع الشعب الروسي نفسه، وأصبح هذا النهج يعرف باسم (إعادة الضبط) وفي صفحة (243) من كتابها أعلاه قالت هيلاري بأن (القوة والعزم يشكلان اللغة الوحيدة التي يفهمها بوتين، يجب أن نوصل إليه رسالة إن لأفعاله عواقب، فيما نطمئن حلفاء الولايات المتحدة إلى أننا نناصرهم.

وتكتب هيلاري هنا أيضاً بأنه لم يوافق الجميع في البيت الأبيض على تحليلي القاسي نسبياً. قبل الرئيس دعوة بوتين إلى قمة ثنائية في الخريف.

ولكن غدا صعباً خلال الصيف تجاهل سلبية المسار، خصوصاً مع أدواردسنودن، الذي سرّب أسرار وكالة الأمن القومي إلى الصحفيين، ومنحه بوتين حق اللجوء إلى روسيا. ألغى الرئيس أوباما قمة موسكو، وبدأ يتخذ موقفاً أكثر تشدداً معها. ووصلت العلاقات إلى الحضيض عام 2014، مع الازمة الأوكرانية.

لغة القوة في التعامل مع روسيا أميركياً ثبت فشلها

وتعليقي هنا من جديد هو بأن المصالح المشتركة بين أمريكا وروسيا تحديداً يجب أن تتغلب على فجوات الخلافات بحكم أهمية كل قطب للآخر، والقوة الخارقة لكل منهما، فقد طلبت أميركا من روسيا أبعاد إيران من سوريا وفسرت روسيا ذلك على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف بأنه تخطيط للنهوض بعصابة «داعش الإرهابية وإسقاط النظام في دمشق، وهو الأمر الذي لم تتفق معه موسكو».

وقررت أمريكا بقيادة حلف (الناتو) العسكري اجتياح العراق عام 2003 ولم تتفق روسيا مع خطوتها آنذاك، ثم خرجت أمريكا طوعاً من العراق بعد خسارة بشرية فادحة وسط صفوفها العسكرية.

وقررت أمريكا هذا العام 2018 وقبل رحيله الخروج من سوريا طوعاً أيضاً تاركة باب إعادة البناء وحسب ما صرح الرئيس ترمب ، وهو منحنى جديد بعدما كانت سياسة الخطة (ب) بدايات الأزمة السورية الدموية هي السائدة والمطلوبة امريكيا ووسط بعض العرب بهدف استهداف دمشق حينها من دون حسبة صحيحة على الأرض تجاه المستقبل الخطير الذي يعج بالإرهاب. وفي المقابل فإن لغة القوة في التعامل مع روسيا أميركياً ثبت فشلها، وهو ما أثبتته روسيا عند دخولها الأجواء السورية مثلاً، وبردها على كل خطوة اميركية طاردة دبلوماسية بمثلها والتاريخ المعاصر خير شاهد. وقصة الصحفي الأمريكي (CIA) إدوارد سنون قابلها الزمن ودورانه برواية أخرى مختلفة تماماً اسمها سكريبال المحسوب على جاهز الـ(K.G.B) سابقاً.

وأوكرانيا دولة مستقلة بالمناسبة وإن جنحت للغرب، وهي الأقرب لروسيا والتاريخ المشترك واحد، ومثلما هي سوريا بعيدة عن أميركا جغرافياً فإن أوكرانيا ليست قريبة بكل تأكيد. وما بإمكاني تسجيله هنا هو اللقاء الهام الذي جمع الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما بالرئيس فلاديمير بوتين على هامش (قمة العشرين) في الصين 16 كانون الأول 2016 والذي ركز على مستقبل الانتخابات الأميركية المقبلة التي ستجري من دون مشاركة أوباما بالطبع بسبب خوضه لجولتين رئاسيتين سابقتين.

وقابل ذلك تأكيد من قبل الناطق الرسمي والإعلامي باسم قصر الكرملين الرئاسي دميتري بسيكوف، ومن الرئيس بوتين نفسه بأن روسيا لن تتدخل في الانتخابات الأمريكية المقبلة، وبأنه لا يعنيها ذلك، وبأنها تقبل بالخيار الأمريكي سواء كان ديمقراطيا أم جمهوريا. وأقرأ هنا في صحيفة (أرغومينتيإي فاكتي) الروسية الشعبية الأسبوعية ما كتبته حول قرار البيت الأبيض بتاريخ 29 كانون الأول 2016 طرد (35) دبلوماسياً روسياً من العاملين في السفارة في واشنطن والقنصلية في سان فرنسيسكو بسبب الهاكرز، وتم إغلاق سكنين في ولايتي ميرلاند ونيويورك تابعين للروس. وهو الإجراء الذي قابلته موسكو بدعوة أطفال الدبلوماسيين الأمريكان لحضور عيد (الكريسماس) في الكرملين وقتها.

وتكررت الصورة عام 2018 على خلفية قضية العميل السابق سرجي سكريبال في لندن فتم طرد (60) دبلوماسياً أمريكياً مقابل طرد أمريكا لدبلوماسيين روس ناهيك عن العقوبات الاقتصادية التي تكررها واشنطن كلما (دق كوز) الأزمات العالمية بالجرتين الأمريكية والروسية.

وبطبيعة الحال لكل من الشخصيتين بوتين وترمب كاريزما مختلفة عن الآخر، فالأول رجل أمن وسياسة واقتصاد، والثاني رجل اقتصاد فقط، والفجوة بينهما هي امنية بالدرجة الأولى وكل واحد منهما لديه حرص أكيد على رفعة بلده وبقائها في القمة، ولم يعد مناسباً لروسيا بقاء أميركا حاكمة للعالم، ولا يروق لأميركا أن تقود روسيا عالماً متعدد الأقطاب يوزع المنافسة على ممتلكات ومخزونات العالم، بينما هي الصهيونية الحاكمة الأكبر، ويلغي (الأنا) ويستبدله بـ(نحن).

ولقد رغبت موسكو بقدوم ترمب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض عام 2016 وفضلته على أي سياسي أمني محتمل فوزه، ولو فازت هيلاري كلينتون لباركت لها موسكو أولاً، والملفت للنظر في هذا المجال هو شح حجم التبادل التجاري بين موسكو وواشنطن وهو الذي وصل نهاية عام 2017 إلى (2.7 مليار دولار) فقط، وهو رقم لا يؤشر على عظمة الدولتين ولا على حسن النوايا.

لماذا أعلنت أميركا انسحابها من سوريا فجأة

ولعل أكبر محطة سياسية روسية أميركية في الزمن المعاصر هي تلك التي عقدت في (هلسنكي) عاصمة فنلندا، وسبقها قمة سريعة عرفت باسم (الناتو)، وتجاوزت قمة (فيتنام) التي سرقت ذلك وقمة (هلسينكي) بتاريخ 6/7/2018 اعتبرت حدثاً استثنائياً ولقاءً لفترة زمنية لم يسبق لها مثيل، وتركيز على امن العالم، ومحاربة الإرهاب، والسيطرة على ازمات العالم الملتهبة في سوريا وأوكرانيا وكوريا الشمالية.

والسؤال الكبير الذي يطرحه المجتمع اليوم هو لماذا أعلنت أميركا انسحابها من سوريا فجأة من دون التنسيق حتى مع روسيا أكبر حليف لها في الأزمة السورية؟

وكلنا نعرف بأن التعاون الروسي الأميركي حول سوريا تمكن من تحقيق إنجازات واستحقاقات هامة على الأرض مثل سحب السلاح الكيماوي السوري عام 2014، وفتح مناطق التصعيد، ومطاردة الإرهاب الذي قادته عصابات (داعش) و(النصرة) باسم تنظيم (القاعدة) الذي تحطم في أفغانستان، والعراق.

ونجاح روسي – أميركي مشترك سابق في الملف النووي الإيراني وضع إيران تحت رقابة دولية لم يسبق لها مثيل منذ عام 2015. والملاحظ هنا هو الحراك الإسرائيلي الذي دفع بأمريكا للخروج من طرف واحد من ملف إيران النووي، ومن سوريا عسكرياً بعد ذلك، ومواصلة قصف مراكز لحزب الله في سوريا. فإلى أين تسير المنطقة؟ وهل انتهى الإرهاب في منطقتنا أيديولوجياً وعسكرياً وأمنياً؟

حري بي هنا أخيراً، أن أشيد بالموقف الأردني من الأزمة السورية الداعي لحل سياسي عبر تنسيق دائم مع روسيا كما ورد على لسان وزير خارجيتنا أيمن الصفدي، وروسيا في المقابل تدعو لحوار إسرائيلي – فلسطيني مباشر في موسكو من دون شرط كما ورد على لسان سيرجي لافروف وزير الخارجية. والله من وراء القصد.

“الرأي ” الأردنية

طباعة