aren

الحَراك والشفافيّة \\ كتابة : ابراهيم الأمين
الإثنين - 2 - ديسمبر - 2019

بيروت

سقوط الأحزاب الكبيرة، وتراجع الدولة كمؤسسة ضامنة للناس، وتحوّل الاقتصاد إلى منظومة استهلاك حادّة، جعلت فئات كثيرة من خرّيجي الجامعات الذين أنفقت عائلاتهم الكثير لتعليمهم، يذهبون في اتجاه مصدر مختلف للدخل. لبنان، كما يقول شربل نحاس، صار متخصّصاً في تصدير الطاقات البشرية، لا في تصدير منتجاتهم أو خدماتهم. ومن بقي من الشباب هنا، موزّع بين فئات عدة: فئة المنخرطين في الأحزاب الجدية، خصوصاً حزب الله، وجزء حصل على وظائف قليلة الإنتاج في قطاعات الدولة بفعل سيطرة الأحزاب والإقطاع. وجزء ثالث يعتاش على صدقات توفّرها مؤسسات اجتماعية أو بعض ما يرسله الإخوة من الخارج. لكنّ قسماً غير قليل من الشباب المتعلّم ينخرط في نشاط مستقل، ويعمل ضمن دوائر صغيرة تجتمع، في نهاية الأمر، ضمن تركيبة المنظمات غير الحكومية، أو ما يسمّونه منظمات المجتمع المدني. وهي مؤسسات تحصل على تمويل يأتي بغالبيته من الخارج، من حكومات غربية وعربية ومن صناديق يموّلها كبار أثرياء العالم. فيما النظام الأمني والمالي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، منذ عقدين على الأقل، يجعل هذه الجهات المانحة خاضعة لقوانينه العامّة.

اليوم يرتفع في الحراك شعار المحاسبة والشفافية ورفع السرية المصرفية ومعرفة مصدر ثروات هذا أو ذاك من السياسيين أو رجالات العمل العام. كما يرتفع شعار البحث عن أشخاص مستقلين، يعملون وفق منظومة مصالح تخصّ المشترك بين اللبنانيين، ولا تخصّ جهة أو مرجعية أو جهة محلية أو خارجية. وبالمناسبة، هذه هي حال وسائل الإعلام أيضاً، لأنها لا تخضع عملياً لآلية محاسبة دقيقة، تسمح بالتعرّف إلى حقيقة تمويلها وآلية إنفاقها، خصوصاً أن هناك نكتة سمجة ميّزت إعلام لبنان القوي بصورة دائمة، وهي أنه لا يربح!

بعد الدولة، يقف حزب الله كأكبر ربّ عمل في لبنان. لديه عشرات الألوف من المتفرغين والمتعاقدين والعاملين في كل مؤسساته. وهو، بسبب قوته المالية، يشكل قوة تشغيلية لمئات الألوف من اللبنانيين. ولديه قدرة استهلاكية تجعل قطاعات خدماتية كبيرة تعيش على نفقاته ولو بصورة غير مباشرة، سيما أن مؤسساته لا تنحصر في أجهزة المقاومة العسكرية، بل لديه عدد كبير من المؤسسات الصحية والتربوية والإنتاجية. وحزب الله قرّر، منذ فترة غير قصيرة، التحدّث صراحةً عن مصدر تمويله. وقال أمينه العام، مرات عدة، إن إيران هي مصدر التمويل الرئيسي – وهو أمر معروف على نطاق واسع لبنانياً وخارجياً – بالإضافة إلى دعم جزئي يحصل عليه من تبرّعات ومساهمات، يقدمها مواطنون من لبنان والعالم من باب الدعم المباشر للمقاومة ضد الاحتلال. أكثر من ذلك، صارت جهات عدة في لبنان والعالم تتحدث عن حجم الموازنة السنوية للحزب خصوصاً في شقّ الرواتب.

طبعاً، حزب الله عُرضة لاتهامات كثيرة بأنه يستفيد من أموال غير مشروعة. وهنا، يجري العمل وفق التصنيف الأميركي لما هو مشروع أو غير مشروع، والذي لا يزال حتى اليوم من دون أي دليل واحد (في كل محاكم أميركا وأوروبا والعالم العربي، لم يجر تقديم أي دليل على تورط حزب الله في تجارة المخدّرات أو السلاح). والجميع يعرف أن هذا جزء من الدعاية المتوقّعة من قبل خصوم الحزب، وهم كثر وأقوياء في لبنان والعالمين العربي والغربي. لكن المهم أن حزب الله لا يخفي مصدر تمويله، وهنا بيت القصيد!

ماذا عن الآخرين؟

هل يوجب شعار الشفافية تعميم التجربة، كأن يخرج قادة الأحزاب في لبنان، ورؤساء وأعضاء المنظمات غير الحكومية، والشخصيات المرجعية ذات الخلفية الطائفية أو المناطقية، والقوى السياسية والاجتماعية والشبابية والإعلامية، ليعلنوا للناس صراحة عن مصادر تمويلهم، وكيف تأتي الأموال وممن وعن أي طريق، وكيف يتم إنفاقها، وما هي أحوال الشخصيات التي تقوم على إدارتها، وماذا كانت تملك قبل مباشرتها هذه الأعمال وما الذي تملكه الآن، وصورة مبسّطة عن نظام حياتها العامة، مثل أين تعيش وأين يتعلم الأبناء وأين يقضون الإجازات ونوع السيارات والخدمات التي يحصلون عليها في حياتهم اليومية؟

مثلاً، من أين يُنفق حزب الكتائب طوال العقود الماضية، وما هي المهن التي يقوم بها آل الجميل بكل فروعهم؟ أو لنسأل حزب فقراء المسيحيين، أي القوات اللبنانية، عن مصدر نفقاته الشهرية والسنوية في كل القطاعات، بما في ذلك كلفة حياة قائده وخدماته وحراسته. والأمر نفسه بالنسبة إلى التيار الوطني الحر وحركة أمل، والزعيم الوطني الكبير المفدّى وليد جنبلاط، وحجم الإنفاق القائم على الدولة لحراستهم وتأمين خدماتهم اللوجستية؟. وماذا عن بقية الزعامات، من بقايا الإقطاع الأسعدي في الجنوب، إلى مراعبة عكار، مروراً بآل فرنجية ومعوض والخازن وفرعون والصحناوي، حتى آل الحريري في هذه الأيام…؟

ماذا عن كل جمعيات دعم المرأة وتمكينها وحريتها ورفض تعنيفها، ومقاومة التمييز الجندري، وحق الأمومة والجنسية، والمساواة في التعلّم وفرص العمل والدور القيادي، ورعاية الأطفال والمساكين والفقراء والفلاحين، إلى المنظمات الحقوقية على أنواعها، من تلك التي تخطّط لوعي حقوقي جديد إلى التي تدافع عن مظلومين في السجون إلى الساعية لتطوير مؤسسات القضاء في لبنان، وداعمي الحريات الفردية، من رافضي التنمّر إلى ناشطي اليوغا وحقوق مناصري المثلية الجنسية، ودعم النازحين واللاجئين في لبنان، الفلسطينيون منهم والسوريون والعرب الفارّون من بلادهم بسبب القمع والفقر، الى دعم حقوق عمل الأجانب، إلى المجموعات العاملة على جبهة البيئة والأخضر والصحة العامة…؟ (هناك لائحة موثّقة بأسماء هذه الجمعيات وأعضائها وخلافه من التفاصيل المثيرة عن تمويلها ومشاريعها وإنفاقها وأحوال القائمين عليها).

هل يقول لنا هؤلاء، صراحة، كيف تحولوا إلى جسم متكامل؟ كيف قامت الفكرة؟ من الذي فكّر وخطّط وأنشأ؟ كيف تمّ التواصل مع الجمعيات المانحة في لبنان والعالم؟، وكيف وُقّعت العقود، وماذا تتضمن من بنود، وما هو المسموح وغير المسموح؟ ما حجم الدعم السنوي، وكيف يجري تحديده، وكيف يصل إلى هذه الجمعيات؟ وكيف يجري إعداد الموازنة العامة والنفقات؟ وهل هناك جدول واضح بأسماء المستفيدين من هذه الأموال وحجم الاستفادة ومدتها؟. وما هي الضمانات المتوفّرة للعاملين فيها؟. وهل يحصلون على كامل حقوقهم وتعويضاتهم؟. وكم يُحصّل قادة هذه المجموعات من دخل وكيف تم تحديد ذلك؟. ومن هو المكتب القانوني الذي يدقّق في حساباتها، وهل هناك تصريح بما تقوم به، أم يكتفي أصحابها بعبارة «جمعية لا تبغي الربح»، لكن يصادف أن المشرفين عليها صارت لديهم منازلهم في المدينة والريف ولديهم حساباتهم البنكية؟ وهل هناك مشكلة في أن يرفع هؤلاء السرية المصرفية عن حساباتهم وحسابات العاملين عندهم مع عائلاتهم والأولاد والأحفاد؟ وهل يُسمح للجمهور الاطلاع ثم التدقيق في ما إذا كان المصرَّح عنه حقيقياً أم تعرّض للتزوير؟ وهل يمكن للجمهور، معرفة كيفية اختيار قادة هذه المجموعات وكيفية إدخال هذا أو إبعاد ذاك؟ وماذا عن العلاقات والوساطات التي قام بها سياسيون أو نافذون في القوى الناهبة للبنان من أجل الحصول على هذا التمويل أو ذاك؟ وكيف يقرّرون برامج العمل؟

هل هناك مشكلة في أن يلجأ هؤلاء، وجلّهم من الناشطين في الحَراك اليوم، إلى إطلاع الشعب المسكين على أحوالهم، وأن يتصرفوا بمسؤولية بما أنهم منخرطون في العمل العام، ويرشحون أنفسهم لمناصب قيادية في الدولة البديلة؟. وهل يشرحون لنا علاقاتهم مع المرجعيات الدينية، من رجالات الكنيسة الى دور الإفتاء على أنواعها، إلى رجال الأعمال الكبار في لبنان والعالم العربي والعالم. ولماذا خصّهم هؤلاء بالدعم دون غيرهم؟

أليس مهماً أن يتحلى هؤلاء بالشفافية الكاملة، ليقولوا لنا ما يفترض أنهم لا يخجلون به، أم سيعتبرون الطلب تدخلاً في أمورهم الشخصية. مثل أن تسأل وزيراً أو نائباً أو إعلامياً عن مصدر دخله، فيصرخ في وجهك: هذه أمور شخصية لا يحقّ لك التدخل فيها؟

لننتظر ونرَ، من سيخبر الرأي العام عن هؤلاء، هم أم نحن؟

“الاخبار”اللبنانية

طباعة