aren

الحق والقوة \\ كتابة : عبدالله بلقزيز
الإثنين - 6 - مايو - 2019

السياسةُ مجافيةٌ للعنف؛ لكونها فعاليّةً اجتماعيّةً مدنيّة سلميّة، ولأنّ العنف يتهدّد القواعد والأسس التي عليها مبناها. وهي، لذلك، لا تعترف إلاّ بالعنف المشروع، المقترِن بالقانون؛ لأنّه من عُدّة اشتغال السياسة والدولة؛ كما لم ينفك علماء الاجتماع السياسيّ يرددون منذ ماكس ڤيبر قبل قرن. إذا كان جوهر السياسة يتمثل في العمل بما يقرّرُه القانون ويقضي به؛ وإذا كان التزامُها القوانين هو الفيصل بينها وبين كلّ «سياسة» خرقاء غيرِ مشروعة، فإنّ إنفاذ أحكام القانون نفسه قد يحتاج من سياسة الدولة إلى حيازة مقدار من القوّة الماديّة تتوسّله؛ لفرض احترام ذلك القانون إنِ احْتيج إلى ذلك؛ أي حين لا يكون القانون قد فرض احترام أحكامه بالتلقاء.

نعم، ما من شكٍّ في أنّ القوّة الحقيقيّة للدولة الحديثة هي قوّتُها الأخلاقيّة أو المعنويّة التي يُجسّدها التزامُها الأهدافَ الكبرى للمجتمع والمواطنين والسعيُ الحثيث في إنجازها، والتي تصنع لها المقبوليّةَ في الوعي الجمعيّ، وتدفع الناس إلى أن يمحضوها الولاء والتأييد. ولكنّ القوّة المعنويّة لا تكفي وحدها الدولةَ كي تقوم بوظائفها كاملةً، وكي تضمن التطبيق السّلس للقوانين من حيث هي التجسيد المباشر للإرادة العامّة. لذلك كان هناك، في كلّ دولة، تشريعات عقابيّة وجنائيّة، وأجهزةُ أمنٍ، وقضاءٌ، وسجون؛ فهذه بمنزلة أدوات القوّة التي تتوسّلها، عند الضرورة (الأمنيّة أو العقابيّة)، لفرض احترام القانون ومن ورائه، الأمن والسّلم الاجتماعي والحريات الفرديّة والجماعيّة.

هل يتناقض احتيازُ السياسة والدولة لأدوات القوّة مع مفهوم السياسة بحسبانها ذلك الفعل الاجتماعيّ الذي تؤسِّس المصلحةُ مشروعيّته، والذي لا يستحصل المقبوليّة إلاّ متى كان مدنياً سلمياً لا يلجأ إلى العنف، ولا يهضم حقاً أو ينتهك حرّية؟ ليس من تناقُضٍ بين الأمريْن؛ إذِ المصلحةُ العامّة، التي تسعى سياسات الدولة في تحقيقها وصوْنها أو تعظيمها، قد تستلزم -في حالات – الدفاع عنها، بوسائل القوّة، إنْ هي تعرَّضت للخطر من تهديدي مّا داخليّ، أو إن لم يكن الدفاعُ السلمي عنها ممكناً أو كافياً. الأمن الاجتماعيّ، مثلاً، مصلحةٌ عامّة ينعقد عليها الإجماعُ في أيّ مجتمع وطنيّ. وكل انتهاكٍ له، من قِبل فردٍ أو جماعة، يُعَدّ عدواناً على المجموع الاجتماعيّ ويبرر العقاب القانونيّ لمرتكبه بالتَّبعة.

والحرّيات مصلحةٌ عامّة تكفلها القوانين، وكل نَيْلٍ منها يشكّل مساساً صارخاً بالحقوق والحرّيات ويبرِّر بالتالي، استخدام القوّة القانونيّة لردعه. لا تعارُض، إذن، بين أن تدور السياسة على المصالح، وتجرِّم العنف غيرَ المشروع و(بين) أن تلتجئ إلى أدوات القوّة لحِفظ تلك المصالح وردع العنف. إنّ العنف داخل المجتمع يظلّ حقيقةً سوسيولوجيّةً وثقافيّة ثابتة لا سبيل إلى تجاهُلها، وهو- نفسُه – الذي يبرِّر للسياسة أن تحتاز أدوات القوّة وأن تستخدمها، عند الضرورة، إن أفصح العنفُ ذاك عن نفسه في أفعال تهدِّد الأمن والسِّلم الاجتماعيّيْن.

لا يكفي الحقُّ وحده لتتأمَّن به مصلحةٌ وطنيّة، وإنّما يُحْتَاج في جعْل الحقِّ حقّاً مكفولاً إلى القوّة التي تحميه مباشرةً أو من طريق رفْدِ السياسة به. وليس معنى ذلك أنّه على كلّ دولة أن تمتلك وسائل القوّة العسكريّة كي تشنَّ الحرب على غيرها؛ فمفاد ذلك أنّها ستساهم، هكذا، في النّيل من السّلم والاستقرار في إقليمها وفي العالم وبالتالي، فإنّ ذلك يغيّر معنى السياسة بما هي دفاعٌ مشروع عن المصالح، وإنّما القصد أن تُحيط مصالحَها وحقوقَها بأدوات الدفاع المشروع، التي بها تَقْوى على الدفاع عنها – بالقوّة – عند الضرورة، أو أن تجعل من الأدوات تلك روادعَ ضدّ مَن يتهدّد مصالحَها وحقوقَها. في كلّ حالٍ إذا كان العنفُ وإرادةُ خرق القانون من حقائق كلِّ مجتمعٍ وطنيّ، فهُما من حقائق «المجتمع الدوليّ»؛ حيث الانتهاكات يوميّة من قِبَل الأقوياء في العالم ومن قِبَل مَن يضعون أنفسَهم فوق القانون الدوليّ.

مرّةً أخرى ينبغي أن نتعلّم درساً في السياسة الدوليّة، ونمارسه باقتدار؛ لا يكفي أن نُطَمْئِن أنفسَنا بأنّنا أصحابُ حقٍّ مشروع، وأنّ قضيّتنا عادلة، وأن نكتفي باللجوء إلى الأمم المتحدة وتقديم الشكاوى لجمعيّتها العامّة ومجلس الأمن، وننتظر ما تجود به علينا الإرادة الدوليّة من وجوه الإنصاف؛ كثيرِها والقليل (والذي قد لا يعدو – والغالب عليه أنّه لا يعدو – قراراتٍ جديدةً تؤكد قرارات سابقة لم تنفَّذ !)، وإنما ينبغي أن نركّب في جهاز الحقّ بطّاريّة القوّة التي تزخمه بالطاقة. على المرء، اليوم، أن يكون على درجةٍ محتَرمة من الغباء؛ كي يُصدِّق أنّ العالم محكومٌ بالقانون الدوليّ العادل، الذي ينتصف للمظلومين وللمستَضعَفين في الأرض فيرُدَّ لهم ما اهتُضِم من حقّ. إنّ القانون السائد هو شريعة الأقوياء؛ أولئك الذين لا يعترفون إلاّ بالقوّة، ولا ينزلون إلاّ عند القوّة. كان صحيحاً، وسيبقى صحيحاً، أنّ أقوى قوّة هي قوّة الحقّ – كما يقرّر جان جاك روسو – ولكن من قال إنّ قوّة الحقّ لا تحتاج، أحياناً، لكي تكون ناجعة، إلى حقّ القوّة؟

“الخليج”

طباعة