aren

“الجوكر” سيبقى علامة فارقة في تاريخ السينما \\ بقلم : د. وليد سيف
الأحد - 3 - نوفمبر - 2019

20191012122400

فيلم “الجوكر”، عمل هام يثير التأمل ، ويستحق النظر. والحبكة على أي حال ليست معقدة ، وهي من الثيمات السردية العامة المطروقة. أعني تواطؤ ظروف القهر والظلم والتهميش على الإنسان حتى لحظة التحول والانفجار في وجه النظام الاجتماعي المختل.

ولكن الانفجار هنا ، لا يأخذ شكل الثورة ، ذات الرسالة الأخلاقية للتغيير العام نحو العدالة والحرية، إنما يأخذ شكل الانتقام الفردي والتحول إلى القتل والجريمة، وهنا نرى أن الحد الفاصل بين الخير والشر والحق والباطل ، هو حد ملتبس ، وأن تعريفاتها ذاتية ، تختلف باختلاف الأطراف المتصادمة.

ولكن المفارقة ، أن تحول “الجوكر” الى العنف ضد مضطهديه ، قد نقله من حال الخنوع والاستسلام والضعف الى حال التمكين والقوة والتحكم ، وعزز ذلك عنده ، أنه لم يكن ليأبه بالعواقب ، أي أن غريزة البقاء قد تلاشت عنده، وهذا يجعله أكثر جرأة حتى القتل في الاستوديو أمام ملايين المشاهدين، فالضعف ليس صفة فطرية لازمة ، وقد ينطوي الضعيف على قوة خفية لا يدركها حتى صاحبها ، حتى تطلقها الظروف القاهرة ، لا سيما حين يُدفع الانسان الى وضع اليائس ، الذي يشعر انه لم يعد يملك ما يخسره.

والمفارقة الأخرى ، أنه وجد نفسه دون تخطيط ، يتحول الى أيقونة لحالة الاحتجاج الجماعي من الطبقات المقهورة ، بل امتد التأثير إلينا نحن المشاهدين ، الذين شعرنا بحالة التطهير الأرسطية ، وهو يمارس الانتقام الدموي، فقد انحازت اليه مشاعرنا ، وهو ينفجر بنوبة الثأر ، وشعرنا انه يمارس ذلك نيابة عنا ، ضد قوى الظلم والقهر والاضطهاد ، وهذا مثال على قدرة الدراما الهائلة على استدراج المتلقي للتماهي مع منطق الحبكة وابطالها من وجهة نظر المعالجة ، ولو كان ذلك يعني تعطيل أحكامنا الأخلاقية العامة ، خارج التفاعل مع الدراما المعنية.

المنعطف الهائل ، الذي حققته المعالجة ، أنها أبطلت تصورنا لشخصية “الجوكر”، التي استقرت في مخيلتنا عبر عشرات السنين من خلال قصص (باتمان) المصورة والسينمائية، فقد كان دائماً ، رمز الشر الذي نتمنى دماره ، وندور مع (باتمان) وتتوتر مشاعرنا معه ، ونتقمصه في مواجهاته مع الجوكر.

ونشعر بالإحباط ، حين تنتهي القصة دون القضاء عليه، كل هذه الخلفية ، استطاعت المعالجة الدرامية الفذة في هذا الفيلم ، تغييبها ، لنتعاطف الآن مع “الجوكر”، ونتماهى معه ، ونسوغ له.

وفِي رأيي ، ان ذلك قد دمر صورة (باتمان) التقليدية ، وغرّبنا عنه، فلم نشعر بأي تعاطف مع الصبي الذي سيكون باتمان في المستقبل ، وهو يقف ساكناً جامداً ، بلا أي تعبير عاطفي بين جثتي أبيه الثري والمسؤول الفاسد المتعجرف ، وأمه ، وهذه من أكبر مفارقات العمل ، والتواءاته السردية عن المألوف.

أخيراً ، أقول : إن عظمة السرد لا تكمن أحياناً في ابتداع موضوع عام ، وإنما في ابتداع كيفيات جديدة في معالجته ، وإقناع المشاهد بها. وهذا ما حققه هذا الفيلم. أما تمثيل “الجوكر”، فسيبقى علامة فارقة في تاريخ السينما”.

طباعة