aren

الجهاد … وحيدة في الميدان \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 21 - نوفمبر - 2019

355

من جديد انتهت جولة القتال الأخيرة في قطاع غزة، بالتوصل إلى اتفاق وقف لإطلاق النار، أعاد الهدوء الهش؛ بعد العدوان «الإسرائيلي» الغادر. ولم يسبق أن أثارت جولة قتال من نقاشات وجدالات وخلافات في داخل الحالة الشعبية والرسمية في الطرفين مثلما أثارت هذه الجولة. كما أن مجريات الجولة دللت على حدوث متغيرات مهمة في مرتكزات الطرفين الرئيسيين في الصراع الراهن، وهما الاحتلال وحركة «حماس» المُسيطرة على قطاع غزة.
لا بد من الإشارة إلى أن جولة القتال الأخيرة بدأت بعمليتي اغتيال كبيرتين لرئيس الدائرة العسكرية لحركة «الجهاد الإسلامي»، أكرم العجوري في دمشق، ولقائد المنطقة الشمالية للحركة في قطاع غزة بهاء أبو العطا. وفي حين فشلت العملية في دمشق ونجا العجوري على الرغم من تدمير بيته واستشهاد ابنه إضافة إلى آخرين، فإنها نجحت في القطاع، واستشهد أبو العطا. وردت حركة «الجهاد الإسلامي» على عمليتي الاغتيال عسكرياً بالطريقة المعهودة؛ عبر إطلاق الصواريخ على مدن ومستوطنات الاحتلال وصولاً إلى «تل أبيب». وحاول الكيان إخماد هذا الرد بالقصف الشديد على أهداف لحركة «الجهاد»، واستهداف قادتها ونشطائها، والتهديد بتوسيع نطاق العمليات من جهة، والسعي لوقف إطلاق النار عبر وساطات مختلفة من جهة أخرى.
وكان جلياً أن رد حركة «الجهاد» الفوري على عمليتي الاغتيال لم يكن باتفاق كامل مع ما يُعرف ب«غرفة العمليات المشتركة». وهذا ما جعل هذا الرد محدوداً وغير شامل، وهو ما حدد منذ البداية آفاق تطوره. فجولة قتال لا تشارك فيها «حماس»، تعني أنها جولة جزئية مهما بلغت شدة رد حركة «الجهاد». ومن هنا يمكن ملاحظة جوانب الخلاف في الجانب الفلسطيني المقاوم قبل أن نشير إلى جوانبه في الجانب «الإسرائيلي».

المرة الأولى

فهذه هي المرة الأولى التي يقع فيها العبء الأساسي في الرد على عدوان صهيوني واضح على حركة «الجهاد». ومع ذلك عمدت «حماس» إلى تغطية رد حركة «الجهاد»، وابتعدت عن انتقاده، على الأقل علناً، ولم تمارس على الأرض ما يعيقه. ولكن هذا التعامل أثار تساؤلات في القطاع حول جدوى غرفة العمليات المشتركة، ودورها في التنسيق بين القوى العسكرية الفلسطينية في القطاع، ومدى منعها عملياً استفراد الاحتلال بفصيل واحد. وشجعت هذه التساؤلات على تحركات شعبية رفضت وقف إطلاق النار خصوصاً بعد جريمة استهداف عائلة السواركة، واستشهاد ثمانية من أفرادها.

 وكان لافتاً أن العدو، تخلى هذه المرة في رده على حركة «الجهاد» عن استراتيجيته في تحميل «حماس»، بوصفها القوة المسيطرة في القطاع، المسؤولية عن هذا القصف. وتجنب الاحتلال للمرة الأولى استهداف مواقع ل«حماس» كما ابتعد عن استهداف منشآت عامة أو بيوت المدنيين؛ لمنع جذب «حماس» لهذه الجولة. ومن المنطقي الافتراض أن حكومة الاحتلال كانت ترمي إلى جعل عملية الاغتيال حدثاً مفصلياً يعزز مكانة نتنياهو الداخلية ويمنع تصعيداً كبيراً. كما أن هناك بين المعلقين من رأى في المبادرة «الإسرائيلية» للاغتيال اختباراً جزئياً للقدرات؛ لتقدير الثغرات قبيل الاصطدام بواقع مواجهة محتملة مستقبلاً على أكثر من جبهة في الشمال والجنوب.

مواجهة مربكة

إذ كان واضحاً أن بين أهداف الاحتلال من عمليتي الاغتيال في دمشق وغزة تحريك الجمود في الحلبة السياسية «الإسرائيلية». وعلى الرغم من إكثار الاحتلال في الأسابيع التي سبقت الاغتيال من الإشارة إلى الشهيد أبو العطا و«استقلاليته» العسكرية ومسؤوليته عن عدة إطلاقات صاروخية فإن التوقيت كان مهماً. فقد تمت العمليتان قبل تولي نفتالي بينت وزارة الحرب الصهيونية بساعات، وفي ظل إيحاءات بقرب إعلان رئيس الحكومة المكلف، بني جانتس، تشكيل حكومة أقلية. وتحدث معلقون سياسيون صهاينة كثر عن نجاح نتنياهو ليس فقط في اغتيال أبو العطا، وإنما أيضاً في اغتيال فكرة حكومة الأقلية، ودفعه الوضع نحو إنشاء حكومة طوارئ.
والواقع أن نتائج اختبار المواجهة كانت مربكة من نواح عدة للقيادة «الإسرائيلية». فمن جهة ليس مؤكداً أن نتنياهو استفاد من هذه الجولة بدفن فكرة حكومة الأقلية برئاسة بني جانتس وهي فكرة لا تزال حية حتى الآن. كما أن النتائج من الزاوية العسكرية لم تكن براقة. صحيح أن قوات الاحتلال أسقطت 34 شهيداً في صفوف الفلسطينيين ادعت بأنهم جميعاً من المقاومين قبل أن تعود لتعترف بأخطاء هنا وهناك. وتباهى الاحتلال ب«العمليات الجراحية» التي ثبت أنها تسقط من المدنيين أكثر مما تسقط من المقاتلين. كما تباهى بدقة وسرعة المعلومات الاستخبارية، وهو ما ثبت جزئية التباهي به خصوصاً عند النظر إلى فشل محاولة اغتيال العجوري في دمشق، وإلى الاعتراف بالخطأ في تدمير بيت عائلة السواركة على رؤوس قاطنيه المدنيين.
وبعد كل ذلك جاء السجال حول من الخاسر والرابح في جولة القتال الأخيرة. ويمكن القول إن حكومة نتنياهو حاولت الإعلان عن تحقيقها لانتصار كبير على حركة «الجهاد» والفلسطينيين بوقف النار «من دون شروط» خلافاً لإعلان الفلسطينيين أن وقف النار تم بشروط. وكانت حركة «الجهاد» قد حددت شروطاً بسيطة؛ لوقف النار بينها وقف سياسة الاغتيالات؛ والالتزام بعدم إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة؛ وتسريع تنفيذ التفاهمات السابقة لإجراءات فك الحصار عن غزة.

اعتراف بالخسارة

وفي المراجعات «الإسرائيلية» لما جرى تحدث كثيرون، بينهم وزير الحرب السابق أفيجدور ليبرمان، عن إحساس أكبر بالخسارة. وقد رأى ليبرمان ومعه آخرون أن جولة القتال الأخيرة أظهرت أن الكيان كان رهينة بيد ليس كل فصائل المقاومة في القطاع وإنما أيضاً بيد حركة «الجهاد» نفسها. ويستشهد هؤلاء بقرار قيادة الجبهة الداخلية بإلغاء الدراسة ومنع التوجه للعمل «عدا المنشآت الحيوية» في مدى 80 كيلومتراً من غزة قبل إطلاق أي صاروخ من القطاع. وقد اعترفت قيادات «إسرائيلية» بسوء تقدير الاستخبارات لردود الفعل الفلسطينية، ما قاد إلى خسائر اقتصادية فادحة.
وأوضح خبراء اقتصاديون يهود أن قرار وقف الدراسة والعمل في مدى 80 كيلو متراً عن قطاع غزة ألحق أضراراً اقتصادية تقدر بمليارات الشواقل يومياً خصوصاً إذا أضيفت لها أعباء تغطية «التأمين الوطني» لأجور العاملين. وحسب ما أعلن في وسائل الإعلام «إسرائيلية» فإن ما لا يقل عن 30 في المئة من مستوطني غلاف غزة تركوها في يومي القتال. وكل ذلك من دون الإشارة إلى التكاليف الحربية اليومية التي لا تقل، وفق التقديرات، عن مئة مليون شيقل يومياً.
على أن أهم ما في الأمر في كل السجالات الصهيونية هو ما الذي تحقق مقابل ذلك؟ تدعي حكومة الاحتلال بأنها استردت الردع المفقود، وأن رسالتها وصلت إلى من تريد. ولكن الصواريخ ظلت تنطلق من غزة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، مظهرة أن الردع مسألة سيالة يصعب تحديد معيارها. كما أن الإعلان عن انتصارات في ظل ديمومة الاشتباك يبقى مشكوكاً بصحته ما دفع سكان مستوطنات غلاف غزة إلى إعلان إضرابات عن الدراسة والعمل. ولا يقل أهمية عن ذلك أن جولة القتال الأخيرة تقرب الجميع من جولة قتال أخرى خصوصاً وأن المماطلة «الإسرائيلية» في تنفيذ تفاهمات كسر الحصار تتزايد في ظل تنامي الخلافات في الحلبة الداخلية.

“الخليج” الاماراتية

طباعة