aren

الثورة بين بيت العنكبوت وبيت العقرب \\ كتاب : جهاد الزين
الخميس - 21 - نوفمبر - 2019

Anti-government protester wave national flags and shout slogans as Lebanese army soldiers face them in the area of Jal al-Dib in the northern outskirts of the Lebanese capital Beirut, on October 23, 2019. - A week of unprecedented Lebanese street protests against the political class showed no signs of abating today, despite the army moving to reopen key roads. Protests sparked on October 17 by a proposed tax on WhatsApp and other messaging apps have morphed into an unprecedented cross-sectarian street mobilisation against the political class. (Photo by Anwar AMRO / AFP) (Photo by ANWAR AMRO/AFP via Getty Images)

بأعلى قدر من اللياقة التي يستوجبها التخاطب السياسي العام، أستطيع أن أقول إنّ الذي طرح اسم السيّد محمّد الصفدي لرئاسة الوزارة، هو شخص بالحدّ الأدنى لا يملك حساسيّة المرحلة، وبالحدّ الأقصى فهو معزول عن الواقع.

فإذا كان لهذه الثورة الحقيقيّة من تأثيرات غير قابلة للتبديد، فهي أنّها فرضت معايير لأسماء تولّي الشأن العام، وخصوصًا رئاسة الوزارة، لم يعد ممكنًا أو جائزًا طرحها قبلها، أي قبل الثورة. المسألة لا تتعلّق هنا بالقديم أو الجديد. فهناك “قديم” رمته الأقدار، أي الشرائح النافذة من الطبقة التي حكمت لبنان كليّا أو جزئيّا في الأربعين عامًا الماضية،على الرفوف المهملة للحياة السياسيّة اللبنانيّة، ولم يكن “من بينهم” أي لم يكن من الذين دُرِجَ وبحق على اعتبارهم “كلٌن يعني كلٌن”. ليست “كلن يعني كلن “هي حكم إعدام سياسي على كلّ من مارس السياسة منذ عام 1943. وكما كتب رئيس الجامعة الأميركيّة فضلو خوري في مقاله الأخير القيّم أنّ الحياة السياسيّة اللبنانيّة، شهدت أسماءً مهمّة لم يطل سمعتَها أيُّ اتهام باللعب بالمال العام، مثل ريمون أدّه ورشيد كرامي وكمال جنبلاط، وطبعًا في المقدّمة فؤاد شهاب، علينا أن نضيف شخصيّات مثل الياس سركيس وفؤاد بطرس وميشيل إدّه وغسّان تويني وسليم الحص أطال الله عمره.

هؤلاء جميعًا بعضهم مات فقيرًا وبعضهم أيّا تكن مصادر ثرواتهم، لم يمسّوا المال العام أو مال الدولة بأي قرش أو ليرة. من العادة، كما في الثورة الفرنسيّة أو في الثورة البلشفية أنْ لا تعرف الثورة أنّها ثورة إلّا بعد حين. الذي يخيفني على ثورتنا اللبنانيّة الراهنة أنّها ثورة واضحة الثوريّة، مما يفاقم الأخطار عليها والحبائك ضدّها، بسبب هذا الوضوح الثوري .

أخشى عليها حبائك نظام طائفي بارع الإمكانات، وقادر على استخدام قوّته العميقة في المجتمع اللبناني، بما يطيح بها في أيّ لحظة. أخشى عليها من أنفسنا نحن اللبنانيّين الذين في كلّ واحد منّا عطل من أعطال النظام الطائفي، بسيكولوجيّ، بصورة خاصّة، تنسج فكرة الحماية الذاتية خيوطه لدى كل فرد.

فهناك ما هو أوهى من بيت العنكبوت في حياتنا العامّة هو السلم الأهلي، وهذه الثورة بالذات تحاول أن تقوم بالمهمّة الصعبة، التي جعلت فضلو خوري يعتبر 17 تشرين الأوّل اليوم الذي انتهت فيه الحرب الأهليّة عام 1975. كنّا أطفالًا وكنّا نتسلّى بقتل العنكبوتات غير أنّ لعبتنا الخطرة كأطفال كانت تجعلنا نخلط أحيانًا بين العقارب والعنكبوتات.

هذه الثورة، لنكن صريحين لم تقتل عقربًا واحدًا حتّى الآن، ولو أنّها هدّدت عمليًا كل عقارب الطبقة السياسيّة. علينا أن نعترف بذلك، وأن نعترف بأنّ حصادنا المبارك بإذن الله، هو أشياء كثيرة ولا شيء حتّى الآن. من الآن فصاعدًا يجب الحذر من استخدام أيّ اسم سياسي مهما علا شأنه، بل مهما كانت سمعته مسالمة وأنيقة في الحياة العامّة. ففي هذه اللحظات التي تضطرّ فيها الطبقة السياسيّة إلى البحث عن مخرج لرئاسة الحكومة والحكومة، يجب أن تضمن الثورة بعض واقعيّة حصادها من أنّها أسهمت في تنظيف المساحة المتّسخة في الحياة العامّة. وهذا يجعل مجتمعًا بكامله تحت التدقيق الذاتي والأخلاقي والقانوني.”

“النهار”اللبنانية

طباعة