aren

التعريف السياسي لـ “صداقة لبنان”: بومبيو نموذجاً \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 4 - أبريل - 2019

بومبيو في جبيل

“بومبيو” في (جبيل) اللبنانية

التاريخ معقّد بما هو حاضر. الإمبريالية أيضاً معقدة حتى في عهد دونالد ترامب. بل هي في عهده أكثر تعقيداً بين الإرادة والفعل، بين المصالح والمصالح، بين الأمن والسياسة، بين الديبلوماسية والوقائع، بين الناخبين وممثليهم، بين الإعلام والرئيس، وبين القضاء والرئيس.

الدول الصغيرة مثل لبنان صغيرة جدا لأنه في القرن الحادي والعشرين وأمام الأحادية الأميركية هناك دول كبيرة تصْغُر أمام أميركا أو أن هناك دولاً كبيرة ذات كِبَر متخصِّص، أي فرعي لا شامل: في العسكري روسيا، في بعض الاقتصادي ألمانيا وفرنسا واليابان وبريطانيا، وحدها الصين تشكل ظاهرة اقتصادية شاملة على المستوى الدولي ولكنها دولة إقليمية في الجيواستراتيجيا وفي العسكر.

قوة إسرائيل العدوانية في المنزل الداخلي (أي فلسطين) وفي المنزل الخارجي الإقليمي (غيرالمحدد من باكستان إلى تونس) ناتجة أساساً، كما يثبت، عن الوحدانية الأميركية التي أخذت في عهد ترامب مستوى من الصلافة الإستثنائية (القدس ثم الجولان).

أتى السيد مايك بومبيو إلى المنطقة في لحظة مخيفة من الدعم الأميركي لإسرائيل. وضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم وخافوا ، كما أظهر الجو الرسمي والشعبي اللبناني العام قبل ومع الزيارة، من أن تنسف الترامبية الوثيقة التبني لإسرائيل التي يمثلها بومبيو كلَّ السلام الداخلي اللبناني الذي ننعم به منذ عام 2011 رغم وبسبب الانفجار السوري الزلزالي المتواصل ولو المتراجع.

حمى الله سوريا الحبيبة الممتدة حدودها من حرمون سعيد عقل الى دمشق نزار قباني الى حلب عمر أبو ريشة الى لاذقية بدوي الجبل.

ولكن ما يقع ضمن نطاق أمنيات اللبنانيين من فارس سعيد وسمير جعجع إلى حسن نصرالله هو حماية الاستقرار اللبناني. نعم، مثل أعدائه الداخليين، كان حزب الله، خائفا على الاستقرار لأنه أحد أكبر الشركاء فيه، وحتى كأداة إيرانية، فهو منذ ما بعد حرب 2006 تحوّل إلى “لوبي” داخل أروقة السلطة العليا في طهران لمنع تكرار الحرب مع إسرائيل خصوصا أن ما يُسمى “جمهوره” (رغم أنه لا سندات عقارية في المجال الإنساني حتى للآلهة) لا يريد، مثل كل اللبنانيين، أي حرب خصوصا أنه ذاق أهوالها “الانتصارية”.

لا يستطيع أي جمهور أن “ينتصر” مرتين بهذه الطريقة التدميرية للذات سوى الشعب الفلسطيني اليتيم الذي لا تترك له إسرائيل خيارا آخر. مليون شيعي فرغ منهم جبل عامل عام 2006 للمرة الأولى بهذا الشكل منذ خمسمائة عام. عادوا بأعجوبة سلمية هم وحدهم أبطالها، كسكان لا كأيديولوجيين. الأيديولوجيا تجليط، بالمعنى النبيل للكلمة. الأيديولوجيا الوحيدة للبنانيين هي الهجرة.

كنا كثيرين، من جميع الطوائف وفي مقدمنا البطريرك الماروني والمفتي دريان ومشايخ عقل الدروز ومشايخ الشيعة (غير المنشغلين بمنع حضانة الأم لأطفالها)، كنا مرحِّبين وقلقين من الزيارة. زيارة مارك بومبيو.

بالنتيجة لم يخذلنا مايك بومبيو وبدا، خلال الزيارة صديقا محبا (اجتماعيا) للنمط اللبناني الذي يعرفه بين أصدقائه اللبنانيين الكثر في دائرته الرابعة في كنساس التي مثلها في مجلس النواب بين 2011 و2017. عدو لإيران. نعم. عدو خطر. صديق للسعودية أكثر خطورة عليها في صداقته مما هو في عداوته مع إيران على إيران. ألم تُظهِر البوستْ خاشقجيّة الأميركية ذلك؟! ولكنه، على ما ظهر لاحقا، صديق سياسي للبنان. لقد أثبت ذلك وقدمت معه الإمبريالية الأميركية نموذجا جديدا وصغيرا للتعقيد والأريحية.

ربما سينسى مارك بومبيو لبنان في ذروة انشغالاته بإدارة الديبلوماسية الكونية، لكن حتى اللحظة سمعنا أنه أخبر بعض أصدقائه اللبنانيين أنه طلب من إسرائيل عدم شن الحرب على لبنان. كما سمعنا عن موقفه اللانزوحي الجديد في شهادته أمام لجنة فرعية في الكونغرس بعد عودته من لبنان.

ما هو تعريف الصداقة للبنان في ظروفنا الراهنة؟ إنه:

1- منع أي اعتداء إسرائيلي

2- منع أي انهيار لليرة اللبنانية (فساد الطبقة السياسية اللبنانية وفجورها الزبائني هما مع الأسف موضوع دولي هزيل حتى في فرنسا الدولة التي نريدها دولة منتدبة على الاقتصاد اللبناني عبر مشاريع سيدر لأنه لا يجب أن يُؤتمَن على هذه المشاريع فاسدون لبنانيون مجرّبون من كل الاتجاهات).

3- دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالمعدات

4- الدعوة لتفعيل وتسريع عودة النازحين السوريين إلى سوريا ومع هذا الموقف يمكن كسر غموض الموقف الدولي الذي، أي الموقف الدولي، يبدو مشجعا على بقائهم من الناحية العملية وحتى اللفظية. ومعه كل الحق الرئيس ميشال عون. ميشال عون، كما في أفلام الرعب، بطل الاشتباه الأول بالخطط الدراكولية (من دراكولا) الدولية حيال النزوح إلى لبنان (كلن يعني كلن ما عدا روسيا). الآن لا نستطيع أن نقول: ما عدا أميركا. لكن الأرجح ما عدا بومبيو.

هذه النقاط الأربع هي معايير صداقة لبنان. وهذا الصديق للبنان، مارك بومبيو، هو في الوقت نفسه وبشكل أكبر الممثل الترامبي الفج ضد الحقوق الفلسطينية والحقوق الدولتية السورية، وهذه الفجاجة سياسة كانت وستبقى خطرا مهدِّدا للبنان على المستوى الاستراتيجي، هذا المندوب الترامبي، مايك بومبيو، يحمي لبنان، في النقاط الأربع ومنها النقطة الثالثة التي عبرت عن نفسها في برنامج جدي طويل أثبت فعاليته في جرود عرسال حيث خاضت أميركا وطهران معركة مشتركة ناجحة ضد التكفيريين.

هذه هي الإمبريالية: معقدة جدا في الميكرو والماكرو.

لكن السيد بومبيو هو صديق للبنان بمعزل عن مدى قدرته على تفعيل هذه الصداقة داخل البيت الأبيض. الصداقة بين الدولة الكبرى والدولة الصغيرة بل الشبه – دولة كلبنان تشبه الصداقة بين رب البيت أو ربّته وبين قطة شاردة تموء على بابه.

كاتب هذه السطور، للتوضيح، ينتمي إلى “مدرسة” تعتبر الاستقرار أي السلام في لبنان أهم بكثير من السيادة الوهمية في عالم اليوم.

لا أعلى سياديا من الاستقرار، ولا أسْفل استقراريا من ادعاء السيادة الوهمية في دولة تافهة وبلد رائع كلبنان. ومن المفيد في مراقبة اللغة السياسية المستخدمة أن تستخدم القمة العربية في تونس أمس الأول في بيانها الختامي أولوية تعبير الدعوة لـ”استقرار لبنان”. هذا يكفينا رغم استفادة الأوباش الفاسدين في السياسة اللبنانية منه.

“النهار” اللبنانية

طباعة