aren

الترامبية كنموذج عالمي… \\ كتابة : جهاد الزين
الثلاثاء - 2 - يوليو - 2019

 

ربلال

ذهب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقابلة مع “الفاينانشال تايمز” أمس الأول إلى حد القول أن انتخاب دونالد ترامب وصعود القوى الشعبوية في أوروبا جعل الليبرالية، أو الديموقراطية الليبرالية، فاقدة الأهلية أو غير صالحة للزمن الراهن (obsolete).

وبمعزل عن رأي الرئيس بوتين الشديد الوقع والشماتة بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فقد بات الرأي الفكري السائد في الديموقراطيات الغربية أن الترامبية هي النتاج الأسوأ للخوف على الهوية والخوف على المصالح معا.

لكن الداعي لبعض “الاطمئنان” من وقائع الندوة الأولى بين المرشحين الديموقراطيين للرئاسة الأميركية التي جرت في 26 و27 حزيران الجاري في ميامي أن المراقب يتأكد في زمن دونالد ترامب المذهل في سقوطه الأخلاقي لا زالت هناك أميركا أخرى بخير رغم الاختلافات بين المرشحين والمرشحات اللواتي، بالمناسبة، يُظهرْن حضورا عدديا ونوعيا مميزا هذا العام.

قد تكون ملاحظتي بديهيّة وهي تصدر عن مراقب “بعيد” في عالم لم يعد فيه مسافات سوى مسافات التقدم والتخلف. لكن أن نسمع مرشحين ومرشحات طبيعيين ومن أجيال مختلفة يتناولون قضايا العنصرية والرعاية الصحية والتعليم والاقتصاد وغيرها من المسائل الداخلية بما يستعيد صورة أميركا “الطبيعية” هو ما يدفع إلى إمكان التفاؤل باحتمال الخلاص من المرحلة الترامبية في الانتخابات المقبلة؟

طبعا لا يمكن البناء بعد على مناظرة جزئية وأولية بانتظار المزيد من تبلور الصورة مع نوعية النقاش الآتي بين الجمهوريين . فالتقليد الأميركي هو أن يتمكن الرئيس في الولاية الأولى من الاحتفاظ بترشيح حزبه للولاية الثانية. لكن الانتهاء من الترامبية إذا جاز التعبير، صار حاجة أخلاقية في العالم، حاجة أخلاقية بالمعنى السياسي من حيث أن حضور هذا الشخص على “رأس العالم” يشكّل نموذجا مشجعا وحاميا لبعض أنماط من الحكم في العالم الثالث أوتوقراطية وفاسدة، بمعزل عن أيديولوجيتها أكانت علمانيةً أو دينية أو خليطا منهما، يمينية أو يسارية.

كل يوم يتكشّف سجل هذا الرجل عن فضيحة: كاذب ومغتصب وهارب من الضرائب ووو…

كل يوم منذ انتخابه، ولاسيما في الانتخابات المقبلة، تتجدد معادلةُ أنه إذا كانت دولة المؤسسات وحكم القانون الأولى تستطيع احتمال رئيس مثل دونالد ترامب في السلطة، فالديموقراطية في كل العالم ليست بخير. بل هي مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة.

صحيح أن التحليل السائد اليوم يعتبر دونالد ترامب جزءاً من ظاهرة صعود الزعماء الشعبويين في العالم، لكن الحالة الأميركية أكثر تأثيرا وخطورة بطبيعة الحال من كل النماذج الأخرى. وهو نفسه، كما ثبت، أي ترامب، يفضل التعامل مع زعماء استبداديين على التعامل مع آخرين أو على دعم حركات ديموقراطية في العالم الثالث.

لا نضيف جديدا على ما بات معروفاً، لكن المسألة الأخلاقية بصفتها معيارا سياسيا رئيسيا، تتجدد ضرورتها مع كل فضيحة جديدة لسلوك دونالد ترامب وماضيه.

لنتصوّر كيف يكون رد فعل الجيل الجديد في دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، الجيل المناضل في دول فاشلة أو متعثرة ينخرها الفساد، حين يكون رئيس أميركا هو النموذج اللاأخلاقي بين حكام العالم؟ هذا سؤال الكثير من النخب الأميركية على أنفسها قبل غيرها. السؤال المتكرر كأن المراقب يكتب المقال نفسه منذ انتخاب ترامب.

لم تهدأ مواجهة الترامبية لحظة واحدة في الصحافة الأميركية التي تلعب دورا كبيرا في تجديد الديموقراطية الأميركية.

“النهار” اللبنانية

طباعة