aren

التجويع مقابل الصفقة \\كتابة : حلمي موسى
الجمعة - 10 - مايو - 2019

355حاتنيتفاقم الوضع الاقتصادي في الأراضي المحتلة في ظل تدهور الوضع السياسي، واحتمالات انفجار الوضع الأمني. وهناك من يؤمن أن ذلك يرتبط ب«الصفقة» الأمريكية المقرر إعلانها بعد شهر رمضان، والتي رفضها العرب؛ لأنها لا تتضمن الحقوق الدنيا للفلسطينيين، ورفضتها السلطة الفلسطينية؛ لأنها تقفز على أوليات الشرعية الدولية، و«حل الدولتين». ولاحظ كثيرون مقدار التناغم بين الإدارة الأمريكية والحكومة «الإسرائيلية» في ممارسة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين؛ لحصر الحلول السياسية في الدائرة الاقتصادية والاجتماعية.

لا بد من الإشارة إلى أن الإعلان عن «الصفقة» يقترب في ظل انقسام فلسطيني داخلي غير مسبوق، واتهامات متبادلة بخدمة المشروع الأمريكي، وهو ما لا يخدم مهمة مواجهة هذه الصفقة؛ لكن كل ذلك يحدث في ظل دأب أمريكي- «إسرائيلي» على مواصلة الضغط؛ من أجل تحقيق الغاية الرئيسية للتسوية المشبوهة؛ وهي تصفية القضية الفلسطينية، مقابل تحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين، وإلغاء حق العودة.

وواضح أن الوضع الاقتصادي في الأراضي المحتلة يتدهور بسرعة؛ جرّاء مجموعة من الإجراءات التي بدأها الاحتلال، وعززتها إدارة ترامب. وليس صدفة أن هذا التدهور يزداد تسارعاً منذ بدء العدو «الإسرائيلي» حملته العسكرية الجديدة ضد قطاع غزة مع مطلع شهر رمضان. ولا ريب أن كل هذه خطوات مدروسة؛ ترمي ليس فقط إلى زيادة العبء الاقتصادي على كاهل القطاع، وإنما تحفيز الجمهور الفلسطيني على تقبل أية بدائل مجُحفة تعرض عليه لاحقاً.

وتتفق معظم الدراسات والتقارير الاقتصادية الفلسطينية والدولية حول تزايد البؤس في الأراضي المحتلة؛ جرّاء الضغوط الأمريكية «الإسرائيلية»، وتراجع الدعم الدولي والعربي للسلطة الفلسطينية. وأظهر تقرير سلطة النقد الفلسطينية الأخير، أن معدل النمو الحقيقي في الأراضي الفلسطينية تراجع إلى ما دون 0.6% في 2018، مقارنة مع 3.1% في العام السابق. وعزا التقرير هذا التراجع إلى تقليص المساعدات الخارجية، وقطع المعونات الأمريكية ل«الأونروا» والسلطة وتشديد الحصار.

ولاحظ التقرير «تزايد حالة عدم اليقين والتشاؤم؛ جرّاء غياب أي أفق اقتصادي وسياسي»؛ بعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان، والحديث عن «صفقة القرن» الخالية من «حل الدولتين». وأضاف التقرير: إن المساعدات الخارجية للفلسطينيين تراجعت من ملياري دولار في عام 2008 إلى 720 مليون دولار في عام 2017، وأقل من ذلك في عام 2018 ما يدفع للتوقع بتزايد معدلات البطالة، لتصل إلى أكثر من 31% من إجمالي القوة العاملة الفلسطينية.

ويذكر أن تقرير وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) للعام 2018 أشار إلى أن الواقع الاقتصادي في الضفة والقطاع كان في عام 2018 «الأكثر قتامة» من أي وقت مضى. وأشار إلى أن «الفلسطينيين عالقون في اقتصاد بلا أفق تنمو فيه البطالة، خاصة في قطاع غزة، الذي يعاني توقف التنمية». وأوضح: إن معدل البطالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلغ 27.4% وهي النسبة الأعلى في العالم؛ حيث يعاني نصف الفلسطينيين دون سن الثلاثين منها. وفضح التقرير أسباب التدهور خصوصاً في قطاع غزة؛ حينما تحدث عن تحول القطاع إلى «حالة إنسانية تتمثل في معاناة عميقة، واعتماد على المساعدات، وتم القضاء على القدرة الإنتاجية لغزة؛ من خلال ثلاث عمليات عسكرية كبرى وحصار بري وبحري».

وأشار إلى أن العدوان «الإسرائيلي» عام 2008 على القطاع مثلاً حاصر أكثر من 60% من إجمالي رأس المال المنتج في غزة، فيما دمرت الحروب اللاحقة ما تبقى منها. وقال: إن التدمير طاول الطرق ومحطات الطاقة والمنشآت الصناعية والتجارية والأراضي الزراعية فضلاً عن منشآت البنية التحتية الأخرى.

كما أن تقرير البنك الدولي الذي أعد لعرضه أمام مؤتمر المانحين الذي عقد الشهر الفائت في بروكسل أظهر صعوبة الوضع الاقتصادي في الأراضي المحتلة. وأوضح التقرير إن الاقتصاد الفلسطيني لم يشهد أي «نمو حقيقي» في عام 2018؛ حيث تقلص الاقتصاد في غزة بنحو 7% فيما نما في الضفة الغربية 1% في ظل زيادة سكانية 3%. وأشار إلى أنه إذا خفف الكيان القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، فإن الاقتصاد قابل للنمو في الضفة بنسبة 6% وفي القطاع بنسبة 11% حتى عام 2025.

وأوضح تقرير البنك الدولي إن معدل البطالة في الأراضي المحتلة عام 2018 بلغ 31%؛ وذلك بزيادة 2.4% على عام 2017 مظهراً الفارق بين الضفة والقطاع؛ حيث كانت في الضفة 17% فيما بلغت في القطاع 52%. وأشار إلى أن البطالة بين خريجي الجامعات في قطاع غزة هي الأعلى في العالم؛ إذ بلغت 68% عامة، وبين الإناث 76%. وهذا جعل 46 في المئة من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر فيما لم تزد نسبة الفقر في الضفة الغربية على 9%.

ولا تكمن مأساة الاقتصاد الفلسطيني في واقعه الراهن بقدر ما تكمن في انسداد آفاقه المستقبلية؛ جرّاء استمرار سيطرة الاحتلال على موارده الأساسية؛ حيث يتحكم في الاقتصاد الفلسطيني ليس فقط بموجب اتفاقات باريس الاقتصادية التي جعلته المتحكم ببوابات الغلاف الجمركي والضريبي، وإنما يتحكم بالاقتصاد فعلياً أيضاً؛ من خلال سيطرته على الطرق الداخلية في الضفة، وبين الضفة والقطاع، وتحكمه بالمنافذ الدولية. وإذا كان الاحتلال يفرض حصاراً فعلياً ظاهراً على قطاع غزة؛ من خلال تحكمه بكل من المجال: البري والبحري والجوي، فإنه يتحكم بشريان الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية عبر مجموعة كبيرة من الحواجز الاحتلالية والاستيطانية.

وقد برزت سيطرة الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني مؤخراً؛ من خلال تحكمه بأموال المقاصة الضريبية التي يجبيها لمصلحة السلطة الفلسطينية. ومعروف أنه في محاولة لتطويع إرادة السلطة سن قانوناً يقتطع بموجبه من أموال المقاصة ما تدفعه السلطة لعائلات الشهداء والأسرى والجرحى. وقد رفضت السلطة تسلم باقي أموال المقاصة التي تشكل حوالي ثلثي أساس الميزانية العامة الفلسطينية. وهذا ما هدد باتساع فجوة تمويل ميزانية السلطة من 400 مليون دولار قبل أزمة المقاصة إلى أكثر من مليار دولار بعدها. وهذا ما يهدد بانهيار السلطة؛ جرّاء عدم قدرتها على دفع رواتب موظفيها رغم أنها في الأعوام الأخيرة قلصت كثيراً من فاتورة الرواتب.

عموماً لا يظهر حتى الآن أفق واضح لخروج الاقتصاد الفلسطيني من أزمته الراهنة. فالسياسات اليمينية التي تنتهجها حكومة الاحتلال قادت إلى الصدام المالي مع السلطة الفلسطينية في الضفة، والصدام العسكري مع المقاومة في القطاع. وهذا يقود إلى تقدير بأن كل الأنظار تتجه إلى ما سوف يحدث بعد الإعلان عن الصفقة. كثيرون يتوقعون انفجاراً كبيراً؛ جرّاء ترافق الضغط الاقتصادي مع لي الذراع السياسية في الصفقة.

“الخليج”

طباعة