aren

التأسيس الثانى لعلاقات آل سعود بواشنطن \\ كتابة : محمد المنشاوي
الإثنين - 3 - ديسمبر - 2018

 

تلقت الرياض خبر فوز دونالد ترامب بالرئاسة بسعادة وترحيب كبيرين، إذ رأت فى فوز ترامب، وانتقال موازين القوة داخل البيت الأبيض ومجلسى الكونجرس إلى الجمهوريين فرصة لإعادة تقديم السعودية نفسها كحليف وضامن للمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط.

اختارت الرياض أن تتجاهل تجاوزات ترامب المسيئة للسعودية أثناء الحملة الانتخابية وشجع الرياض بصورة كبيرة خطاب ترامب المعادى للاتفاق النووى مع إيران وتعهده بانسحاب بلاده حال وصوله للبيت الأبيض، وهو ما فعله لاحقا.

لم تفهم الرياض أن قرار ترامب بخصوص إيران لم يكن تلبية لرغبة سعودية، بل هو بالأساس قرار داخلى يتسق مع الخط العام للتيار المتشدد داخل الحزب الجمهورى، والذى يدير بصورة كبيرة سياسة ترامب الخارجية.

جاء محمد بن سلمان لواشنطن بعد ثلاثة أشهر من وصول ترامب لسدة الحكم، وتم الترتيب خلال الزيارة لزيارة ترامب للرياض. وكشف الاجتماع الأول عن توافق بن سلمان مع ترامب بشأن قضايا كثيرة، وهو اختلاف واضح عن علاقة الرياض المشحونة قبل ذلك مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لا سيما بعد الاتفاق النووى الإيرانى فى 2015.

وأضاف مستشار ولى ولى العهد السعودى فى بيان أن الزيارة تمثل «نقلة كبيرة للعلاقات بين البلدين فى جميع المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية وذلك بفضل فهم الرئيس ترامب الكبير لأهمية العلاقات بين البلدين واستيعابه ورؤيته الواضحة لمشاكل المنطقة».

ووصفت الرياض زيارة بن سلمان لواشنطن بأنها حدث تاريخى يضع أطر جديدة للعلاقات بين الرياض وواشنطن. وذكر أحد كبار مستشارى ولى ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان فى لقاء مع “رويترز” أن اللقاء الذى تم بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والأمير محمد كان ناجحا للغاية.

مؤكدا أنه يعتبر نقطة تحول تاريخية فى العلاقات بين البلدين التى مرت بفترة من تباعد وجهات النظر فى ملفات عديدة إلا أن اللقاء أعاد الأمور لمسارها الصحيح.

ورغم الاتجاه لوضع أسس جديدة لعلاقات الدولتين، لم يختلف جوهر العلاقة الاستراتيجية القائمة فى الأساس على معادلة النفط مقابل الحماية فى عهد ترامب ــ سلمان، لكن الجديد هنا يرتبط بمحاولات شخصنة العلاقات من جانب الطرفين.

يعتقد بروس رايدَل – خبير فى الشأن السعودى بمعهد بروكينغز بواشنطن ومحلل سابق في سي آي إيه ــ أن التحالف سيبقى بين الرياض وواشنطن طالما وجدت تهديدات مشتركة.

وتتمثل هذه التهديدات اليوم فى الخطر الإيرانى والمخاطر الإرهابية. وتقل أهمية التحالف إذا انعدمت المخاطر.

ويصف المؤرخ الأمريكى تيموثى نفتالى الرئيس ترامب بأنه من النوع الذى يتحكم فيه «عواطفه وعصبيته» بدلا عن «الخبرة وتقدير أهمية الأحداث»، ويعتقد أن ما يقوم به ترامب سلوك خطير، إذ لا يجب أن تربط مصالح واشنطن الاستراتيجية بمزاج الرئيس.

ويعتقد الكاتب دانيال لارسون أن وصول دونالد ترامب لسدة الحكم فى واشنطن نقطة محورية فى شخصنة العلاقات الدولية للقوى الأكبر فى عالم اليوم. وارتبطت شخصنة العلاقات من جانب الرئيس ترامب بتغيير موقف بلاده من الحرب التى تقودها السعودية فى اليمن.

وكان للقلق من تزايد سوء نتائج الهجمات الجوية للحملة السعودية والتى كشفت تهور السعودية وعدم الاكتراث بالمدنيين مما أدى لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

وأدى ذلك «لتوقف إدارة الرئيس أوباما عن دعم السعودية تسليحيا واستخباراتيا وهو ما أدى بدروه لفقدان ثقة السعودية فى الاعتماد على الالتزام الأمنى العسكرى الأمريكى.

ونالت سياسات إدارة ترامب التى أعادت التوسع فى بيع أسلحة للرياض واستئناف الدعم الاستخباراتى واللوجيستى فيما يتعلق بالحرب فى اليمن، ثناء واسعا فى الرياض، واعتبرته الحكومة السعودية علامة على عودة العلاقات الثنائية لسابق عهدها.

وتم السماح ببيع قنابل ذكية وذخائر دقيقة التوجيه قد أوقف شحنها الرئيس أوباما فى نهاية 2016 بعد وقوع هجوم سعودى على جنازة قتل فيها عشرات المدنيين فى صنعاء».

قبل انتهاء زيارة الرئيس ترامب للرياض فى مايو 2017، وقع الطرفان السعودى والأمريكى «شراكة استراتيجية جديدة للقرن الحادى والعشرين» لما فيه مصلحة الدولتين، وحيث ترسم مسارا مجددا نحو شرق أوسط ينعم بالسلام حيث التنمية الاقتصادية والتجارة والدبلوماسية سمات العمل الإقليمى والدولى».

إلا أن الشراكة تتعرض لهزات وأزمات لا تتوقف. ويمثل عدم اليقين والشك فى المستقبل القريب عنصرا جديدا فى معادلة العلاقات. ودفعت التغييرات الكبيرة التى أحدثها الملك سلمان بمنظومة الحكم والخلافة داخل البيت السعودى والتى أدت إلى صعود ابنه محمد إلى منصب ولاية العهد.

إضافة لعدة مناصب أخرى حساسة على رأسها كونه وزيرا للدفاع، ومسئولا عن الملف الاقتصادى السعودى رغم عدم بلوغه منتصف الثلاثينيات من العمر، وهو ما قد يتيح له حال خلافته لوالده الملك سلمان أن يبقى ملكا لعقود.

إلا أن سيطرة محمد بن سلمان على مراكز القوة داخل منظومة الحكم السعودية المتشعبة تنهى ما عرف من أعراف اتخاذ القرارات بموافقات شبه جماعية داخل العائلة السعودية الحاكمة منذ ستينيات القرن الماضى.

كما أن سيطرة محمد بن سلمان، وتجميعه لمراكز القوى المختلفة فى يده، من شأنه أن يغير من طبيعة التعاون السعودى الأمريكى.

رغم ما يبدو من الخارج على أنه شهر عسل فى العلاقات بينهما، فإن حكماء أمريكا يدركون أن المصالح المشتركة التى جمعت واشنطن بالرياض أكثر من نصف قرن باعتبارها أحد أركان سياسة واشنطن فى المنطقة، تخضع اليوم لاختبار قد لا تقدر سياسات بن سلمان، ولا تصريحات ترامب على اجتيازه.

الشروق المصرية

طباعة