aren

البلاد وقد تحولت إلى “سكراب” … \\ بقلم : علي جمالو
الأحد - 31 - مايو - 2020

( الجاهلون في التاريخ محكوم عليهم بتكراره ) .. هذه العبارة تلخص بتكثيف بالغ مانعيشه هذه الأيام في بلادنا ، قبل مائة سنة تفككت الدولة العثمانية التي كانت تموت ببطء بدءا من منتصف القرن التاسع عشر بداء الشيخوخة والفساد ، كان بعض العرب يطاردون حلم / سراب دولة عربية لن ترى النور أبدا ، قاد الشريف “حسين” ، تجمعا عسكريا بدائيا ، اطلق عليه اسما فضفاضا (الثورة العربية)، استخدمته الدول الغربية لتفكيك ما تبقى من الدولة العثمانية قبل الدخول العسكري الغربي ، وبدء مرحلة جديدة من الاستعمار لنهب خيرات الشعوب.

ولدت دول الشرق الأوسط في الشكل الذي نراه هذه الأيام (نراه مع الأسف للمرة الاخيرة) ، ولدت الدول تحت الاحتلال وبإرادة المحتلين الجدد، رسم الدبلوماسيان “مارك سايكس الإنكليزي وفرانسوا بيكو الفرنسي”، حدود هذه الدول ، كان العرب في غيبوبة تامة ، يعيشون حلما ورديا ممنوعا من التحقق ، وكان الروس مشغولين بالحرب العالمية الاولى وبالثورة البلشفية ، فخرجوا من قسمة الشرق الأوسط بخفي حنين.

الأمريكان كانوا في بداية مشروعهم الكوني ، كانت قوتهم موزعة بين اخضاع شعوب الدول المحيطة بالبحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية من جهة ، ودعم الإنكليز والفرنسيين في الحرب العالمية الاولى من جهة ثانية ، لذلك تقاسم الإنكليز والروس والطليان ، وباقي الدول الأوربية بنسب غير متساوية ماكنت تحتله الدولة العثمانية في العالم العربي.

ارتد الأتراك الى هضبة الأناضول ، وبدأوا يؤسسون جمهوريتهم ، استعصى الامر عليهم فترة طويلة من الزمن اذ لم يستطيعوا ان يغادروا الماضي وعجزوا عن دخول المستقبل ، رضي الفرس بتوسع حدودهم نحو الغرب على حساب العرب والبلوش ، وناموا على سرير الانتماء الى عالم غربي لإمكان لهم فيه ، شطب الكرد من الخرائط الجديدة ، بدأ العمل على انشاء دولة “اسرائيل” وبدأ قرن من الحروب والطاعون والنهب ، ثم الثورات والتحرر ثم الانقلابات والاستبداد والعسكر والتوريث ، والعروش المثبتة بالدم.

قبل مائة عام ، رسم الدبلوماسيان (سايكس الإنكليزي وبيكو الفرنسي) حدود هذه الدول ، كان العرب في غيبوبة تامة حتى كشف الحكاية ، صحافي روسي ، اسمه “فلاديمير إيليتش لينين”، قاد الثورة البلشفية وغير وجه العالم ، كشف الأسرار وقال للعرب أنتم مجرد دمى ، اذهبوا ودققوا بالدور الذي رسمه لكم الغربيون .

الان اذا أردنا تكثيف الحكاية اكثر ، ماذا نلاحظ ؟

قبل مائة سنة ، خسر العثمانيون ، غاب الأمريكان ، غاب الروس وربح الاوربيون ووكلائهم في المنطقة -الفرس آنذاك-

واذا نظرنا الى احوال المنطقة اليوم ، نرى توافقا في فريق ( الخاسرين قبل قرن ، الرابحين الْيَوْمَ ) ، وبالطبع اضافة الى الفرس والاسرائيلين ، لقد تجلى ذلك على الارض السورية ، الأتراك عادوا من الشمال ، واسقطوا الحدود بالعمل العسكري المباشر او عبر تنظيمات موالية لهم (اسقطوا حدودا لم يعترفوا بها مطلقا)، عاد الأتراك الذين – وياللمصادفة- يعودون في اللحظة التي يغادرون فيها ، مفهوم الجمهورية الى مفهوم السلطنة ، حيث يستعيد الرئيس رجب طيب اردوغان ، صولجان السلطان عبد الحميد وطربوشه الأحمر ، وعباءته المتخمة بالنياشين والهزائم والخصوم بدعم وتشجيع روسي إيراني منقطع التنظير ، يبيع تركة اتاتورك واثماله ونياشينه وقبعاته.

الفرس ، تمددوا داخل الدولة السورية بالتمويل والميليشيات ، الأمريكان احتلوا شرق نهر الفرات ودافعوا عن هذا الاحتلال الكلاسيكي مرة بالشكل المباشر ، ومرة باللباس الكردي ، الروس احتلوا غرب نهر الفرات ، وكافة مناطق الساحل والوسط والجنوب مرة باسم دعم السلطة ، ومرة باسم المصالحات ، ومفهوم خفض التوتر ( !! ).

واما (إسرائيل)، فقد كانت ولا تزال تحتل اجزاءا من الجنوب الغربي ، وهي تحاول بالتنسيق مع الروس ، وضع شروطها التي تتعدى المناطق التي تحتلها ، وتقوم بقصف الأهداف العسكرية داخل الاراضي السورية بصمت وتواطىء روسي ، بل مع غزل يومي مع ( الرفيق ) فلاديمير بوتين ، الذي يمارس الوصاية الكاملة على سورية ، دون ان يعلنها.

ليس من الصعب ادراك شكل المنطقة في السنوات القادمة ، لان التاريخ يقدم تلميحات تنبيء بشكل ما عما ينتظرنا ، الخرائط لا تزال ترسم بالحرب ، بالدم ، بالصفقات والمكائد .. والضحايا من وجهة نظر الدول المتورطة في هذه الحرب مجرد ارقام في سياق ما يسمونه الاثار الجانبية !

قبل قرن ، غاب الرفيق “فلاديمير لينين” عن وليمة الشرق الأوسط بداعي الثورة ولملمة قطع السلاح القديم وحصار القيصر ، الْيَوْمَ حضر الرفيق “فلاديمير بوتين” الوليمة بداعي العودة الى نادي الكبار ، وإسقاط حالة هيمنة القطب الواحد واستعادة لقب القيصر وتجربة الأسلحة الحديثة على لحم أهلنا الحي !

قبل قرن سقطت السلطنة العثمانية ، وغاب الأتراك خلف هضبة الأناضول يبحثون عن الجمهورية ، الْيَوْمَ باع الأتراك جمهوريتهم واستعادوا بشكل كاريكتوري فكرة السلطنة ، وعادوا يتمددون جنوبا في مسار ثأري فاقع .

قبل قرن كان الاوربيون يسرحون ويمرحون في هذا الشرق المتدثر بجهله ، يرسمون الخرائط ويقيمون الممالك ، الْيَوْمَ أصبحوا مجرد كومبارس صغار يكثرون من الجعجعة ، والضجيج بلا فائدة .

قبل قرن كان الفرس يشحذون سيوفهم وينظفون بنادقهم لإخضاع ما يمكن إخضاعه من السهول والصحاري المتخمة بالكنوز غرب الخليج العربي ، الْيَوْمَ ما بدلوا مهنتهم لا زالوا يشحذون سيوفهم و يطلقون نيرانهم وقد تمددو في العراق وسورية ولبنان واليمن .

قبل قرن كانت اسرائيل فكرة على طاولة السير بلفور ، الْيَوْمَ اسرائيل ( دولة ) تُمارس العربدة في كل اتجاه من غير حسيب ولا رقيب .

قبل بضع سنوات ، كنّا دولا ولنا سياسات ، اليوم تحولنا الى “سكراب” وأنقاض .

لا اعرف من قرأ منا التاريخ ، ومن فاته ذلك .. الوقائع تقول : انه ما من احد قرأ التاريخ هنا ، وما من احد تفحص وقائعه ، ولذلك ولاننا نجهل التاريخ ، محكوم علينا تكراره .. تكراره بشكل كاريكاتوري، الخرائط لا تزال ترسم بالحرب ، بالدم ، بالصفقات والمكائد .. والضحايا من وجهة نظر الدول المتورطة في هذه الحرب ، مجرد ارقام في سياق ما يسمونه ( الاثار الجانبية) .. البلاد تحولت إلى “سكراب” ، الجوع يدمر ما اخطأته الحرب ، والآتي اعظم.

………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

\المحرر\

سكراب”scrap” ، كلمة انجليزية ، وتعني بالعربي (مخلفات) ، وهي مجموعة معدات ، وأدوات غير صالحة للاستخدام.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها