aren

البغدادي قُتل.. لكن متاعب الشرق الأوسط لم تنته \\ كتابة : توماس فريدمان
الأربعاء - 30 - أكتوبر - 2019

مقتل مؤسس وزعيم تنظيم «داعش» على يدي كوماندو أميركي يعمل في سوريا، سيزيد بكل تأكيد من إضعاف التنظيم الأكثر تطرفاً الذي ظهر بالشرق الأوسط في العصر الحديث. ولا شك أن العالم بات مكاناً أفضل مع مقتل أبي بكر البغدادي، وأن قدراً من العدالة قد تحقق إنصافاً لكل النساء اللاتي اغتُصبن من قبل «داعش»، وكل الصحفيين الذين قُطعت رؤوسهم، وعشرات الآلاف من السوريين والعراقيين الذين أساء التنظيم معاملتهم. ويحسب للرئيس دونالد ترامب أنه أمر بهذه العملية، ولعملاء الاستخبارات الذين خططوا لها، وللحلفاء الذين ساعدوا فيها، ولكل القوات الخاصة التي ساهمت في تنفيذها. ولكن القصة لم تنته، ويمكن أن تكون لها تداعيات كثيرة غير متوقعة. ولنبدأ بالتداعيات على الداخل الأميركي.

فترامب أغدق الثناء والإشادة على وكالات الاستخبارات الأميركية التي وجدت البغدادي وتعقبته إلى مخبئه في سوريا، حيث فجّر نفسه تجنباً لإلقاء القبض عليه. وخلال مؤتمره الصحفي، شدّد ترامب كثيراً على براعة الرجال والنساء العاملين في وكالاتنا الاستخباراتية وتفانيهم.

حسناً سيدي الرئيس، ولكن تلك هي وكالات الاستخبارات نفسها التي أخبرتك بأن روسيا تدخلت في انتخاباتنا الأخيرة في محاولة لترجيح كفتك في الانتخابات ضد هيلاري كلينتون. ولكن عندما كشفت وكالاتنا الاستخباراتية تلك الحقيقة، طعنتَ في نزاهتها وحسن عملها. وعليه، فشكراً لك لأنك أزلت ذاك الغموض. فقد بتنا نعلم الآن أن أجهزة الاستخبارات نفسها التي قامت بعمل بطولي وحمتنا ممن يريدون مهاجمة ديمقراطيتنا الدستورية من الخارج، هي الأجهزة نفسها التي تدخلت من أجل حماية ديمقراطيتنا الدستورية من الداخل. وخلافاً لك، فإن منتسبيها يأخذون على محمل الجد اليمين التي أدوها من أجل القيام بذلك.

أما بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط، فينبغي ألا ننسى أن «داعش» كان التنظيم المتطرف السُني الذي ظهر بعد قضاء إدارة الرئيس باراك أوباما على الحامل السابق للقب «أسوأ شخص في العالم»، أسامة بن لادن. وبالتالي، فإن مقتل البغدادي – وهو شيء جيد جداً في حد ذاته – لا يعني نهاية متاعبنا في الشرق الأوسط ومنه. لقد ظهر «داعش» في 2014 كنتيجة لثلاثة فصائل أو حركات فضفاضة، كما أشرتُ إلى ذلك في مقال في 2015.

فصيل يتألف من المتطوعين الأجانب. بعضهم كانوا متطرفين مخضرمين، ولكن الكثير منهم كانوا فاشلين، وأشخاصاً غير مندمجين في المجتمع، وباحثين عن المغامرة، وشباناً لم يسبق لهم أبداً أن أمسكوا بالسلطة أو وظيفة أو يد فتاة، وانضموا إلى «داعش» من أجل الحصول على الثلاثة كلها. فقد كان «داعش» يوفّر راتباً وسلطة ومتنفساً للرجال والنساء الذين جاؤوا من مجتمعات وثقافات مغلقة حيث لا شيء من ذلك كان متاحاً.

الفصيل الثاني في «داعش» – بمثابة أدمغته وعموده الفقري العسكري – كان يتألف من ضباط «بعثيين» سُنّة سابقين في الجيش وسُنة محليين وقبائل منحوا «داعش» دعماً سلبياً. فالسُنة العراقيون يشكّلون نحو ثلث سكان العراق. وكانوا قد حكموا العراق على مدى أجيال، ولكن الكثير من السُنة في الجيش العراقي كانوا يشعرون بالغضب والإذلال والإحباط بسبب الكيفية التي قلب بها الغزو الأميركي للعراق ذاك الوضع وقلّدوا الأغلبية الشيعية قيادة البلاد.

أما الفصيل الثالث في «داعش»، فقد كان يتألف من المنظّرين الدينيين وفي مقدمتهم البغدادي. هؤلاء لديهم نسختهم المروعة الخاصة من الإسلام، ولكنها ما كانت لتلقى صدى قوياً وواسعاً لها، لولا العاملون الأولون المشار إليهما أعلاه.

في سوريا، دعم بعض السُنة السوريين «داعش» للسبب نفسه الذي جعل السُنة العراقيين يدعمونه. ولكن إيران، وميليشيا «حزب الله» الموالية لإيران، ونظام بشار الأسد السوري العلوي الشيعي، تعاونوا جميعاً من أجل إنشاء حكومة أقلية شيعية موالية في دمشق. وبالطبع، فقد منح هؤلاء الثلاثة ترامب تفويضاً لقتل البغدادي! ذلك أن قتله يسهّل عليهم كثيراً حكم سوريا من دون تقاسم السلطة مع السُنة. وطالما أن ذلك هو واقع الحال، فإن المنطقة لن تنعم بأي استقرار.

ترامب شدد كثيراً خلال مؤتمره الصحفي على كيف أنه، بفضل حكمته وحصافته، قرر الإبقاء على جنود أميركيين في سوريا من أجل حماية حقول النفط هناك، وذلك حتى تستطيع شركات النفط الأميركية ربما استغلالها، بل إنه ذهب إلى حد التفاخر بأنه لئن كان قد عارض حرب العراق، فإنه كان ينبغي علينا أن نسيطر على كل حقول العراق النفطية من أجل تمويلها.

والحال أن هذا حديث مقزز، ووصفة للمتاعب في المستقبل. وإذا كان لدى الولايات المتحدة أي دور في الشرق الأوسط اليوم، فإنه ليس حماية آبار النفط، وإنما دعم وتعزيز ما أسميها «جزر اللياقة». إنها أماكن مثل كردستان سوريا والعراق، والأردن، والإمارات، وعُمان، ولبنان.. غير أن الحلول المثالية ليست متاحة في الشرق الأوسط في الوقت الراهن. ثم إن هذه البلدان تشجّع وتروّج فعلياً لنسخ معتدلة من الإسلام والتسامح الديني، وتقوم فعلياً بتقوية وتمكين نسائها، وتشجّع فعلياً التعليم الحديث.

إنها الترياق الضروري وغير الكافي لـ«داعش». وهي تستحق الدعم والمساندة على أمل أن تتطور يوماً ما إلى شيء أحسن لكل شعوبها. وما عليك إلا النظر إلى الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية في لبنان، فأنت تستطيع أن ترى إلى أين يريد الشباب الذهاب.

“الاتحاد”الاماراتية

طباعة