aren

البراغماتية الأمريكية والواقع العربي \\ كتابة : حياة الحويك عطية
الخميس - 27 - ديسمبر - 2018

ترمب – اردوغان

ككل الأمم بنيت الولايات المتحدة على أيديولوجية ونظريات. بداية من أيديولوجية المنفعة التي لم يكن من الممكن جمع ودمج وصهر أمة من المهاجرين، إلا بها. ومن ثم المنهج الوظيفي التجريبي في الفكر والتطبيق. وأخيراً البراغماتية الجريئة في السلوك.

لكن الاتفاق على المبادئ لا يعني بالضرورة الاتفاق على وسائل تطبيقها. من هنا يظهر الخلاف العميق في الخيارات بين الرئيس دونالد ترامب وما يسمى الدولة العميقة أو لنقل القوى التقليدية. هذا الخلاف ننتبه إليه عندما يطال أموراً تخص منطقتنا، وآخرها قرار الانسحاب من سوريا. ولكن واقع الأمر أن ترامب منسجم تماماً مع نفسه، ومع البرنامج الذي بنى عليه حملته الانتخابية. مع الشعار الذي رفعه: «أمريكا أولاً». بمعنى العودة عن العولمة وما تثقل به كاهل أمريكا من أثقال مقابل مصالح لا تحميها من الفشل في حروبها واحتلالاتها. والالتفات إلى تمتين الوضع الداخلي، بدءاً من ترميم الاقتصاد. ثم التعامل مع الخارج على أساس المنفعة وحسب. وعليه لم يكن شعار ترامب بأن على الحلفاء أن يدفعوا ثمن حمايتهم شعاراً غوغائياً. هو يريد أن يعود إلى تطوير التسلح الأمريكي؛ كي لا تسبقه أو تساويه روسيا أو الصين، وكي يحمي مصالح الاقتصاد الأمريكي، عن بعد، ودون تدخل عسكري مباشر ومكلف يخرج منه بفشل كما حصل خلال العشرين سنة الماضية.

سبب أساسي في هذا التطور هو أن أمريكا قد لعبت دور شرطي العالم يوم كانت تحتاج إلى مصادر الطاقة، في حين أنها تنتج اليوم عشرة ملايين برميل يومياً، ما يساوي إنتاج روسيا أو السعودية. إضافة إلى سبب آخر وهو الخسارة التي لحقت بسوق العمل والإنتاج الأمريكيين، جراء تكسير الحدود أمام العولمة. من هنا تصبح العودة إلى الحمائية نهجاً إنقاذياً يعتمده ترامب، ويخالفه فيه آخرون.

بهذه المقاربة يتخذ ترامب مواقفه من قضايا الشرق الأوسط. ومن ضمنها مسألة الانسحاب من سوريا. وذلك لعدة أسباب:

*الأول، أن وقائع الأرض في سوريا أثبتت انتصار محور محدد، والبراغماتية تقتضي التعامل مع الحالة.

*الثاني، أن هذا الانتصار كرس استقرار روسيا في المتوسط، بل ونجاحها في مد خط الغاز «تركيا ستريم» الذي يجمع تركيا وروسيا في إيصال الغاز الروسي إلى أوروبا، بعد أن كان أحد أسباب الحرب السورية هو محاولة إنهاء نفوذ روسيا في أوروبا بمد خط للغاز القطري عبر سوريا، يخرج القارة العجوز من تبعية الطاقة لموسكو.

*الثالث، أن السياسات الأمريكية ساهمت في دفع تركيا نحو إيران وروسيا، وتركيا هي الدولة الأطلسية الوحيدة في المنطقة، وجيشها هو الأقوى. بحيث يقول مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما: «أمريكا تكون ضعيفة في الشرق الأوسط إذا خسرت تركيا»، لذلك يريد ترامب رأب الصدع معها. في معادلة كبرى لا يشكل الأكراد وزناً يذكر ضمنها. فطالما استغل الغرب هؤلاء الحالمين بالانفصال، ولكن ترامب لن يتحدى بهم تركيا، ولن يتحدى العراق حيث مصالحه وحيث لم ينتصر حتى لاستفتاء البرازاني، بل ولن يتحدى بهم سوريا التي يأمل في أن يعوض فشل بلاده فيها سياسياً وعسكرياً بفائدة اقتصادية، من خلال إعادة الإعمار، وربما من خلال صفقات أخرى مع ضامني آستانة لم تكشف بعد.

غير أن التقليديين في الخط المقابل يرون عكس ذلك: بولتون، ماتيس، وبومبيو، صرّحوا تباعاً بأن الوسيلة الأفضل هي إبعاد تركيا عن التحالف مع روسيا وإيران. والبقاء العسكري في سوريا لمقاومة النفوذ. نفوذ تضج وسائل الإعلام بالجانب الإيراني منه؛ لأنه ما يهم «إسرائيل»، ولكن ماتيس كان واضحاً في تحديده؛ حيث قال: «الدول التي تتعارض مع مصالحنا، روسيا والصين».

غير أن ترامب وجد أن فكرة إبعاد تركيا عن روسيا وإيران صعبة للغاية؛ لأن مصالح الدول الثلاث تتجه إلى تمتين التقارب. وليس من مصلحته دفع أنقرة أكثر بعيداً عنه. وبالتالي، فإذا كان أردوغان قد قرر القيام بعملية عسكرية ضد الكرد، وبموافقة ضمنية روسية – إيرانية وربما سورية، فليس من مصلحة أمريكا أن يؤدي ذلك إلى الصدام العسكري بين الجنود الأمريكيين والأتراك، وكلاهما أطلسي. والحل سحب الأمريكيين من ساحة المواجهة. فيما ترجم تدرجاً، بإعلان أنقرة موافقة واشنطن على عملية شرق الفرات، ثم الإعلان عن مكالمة هاتفية طويلة بين أردوغان وترامب، طلب فيها الأخير من أردوغان أن ينتظر رحيل قواته قبل الهجوم، ثم إعلان قرار الانسحاب، ثم تأجيل العملية التركية إلى ما بعد هذا الانسحاب.

غير أن الالتفاف إلى الموقع العربي من هذه التطورات والمعادلات الجديدة يحيلنا إلى مسألة استراتيجية لا بد أنها أخذت في الحساب الأمريكي، ولكنها مؤلمة لنا. الشرق الأوسط يتجه – بعد ضرب الخط القومي العربي- إلى تكريس زعامة دينية مذهبية وتحديداً سنية – شيعية.

على الصعيد الشيعي تمكنت إيران من فرض نفسها مرجعية لا جدال حولها. أما في الجانب السني فثمة تركيا بمرجعيتها العثمانية تجهد لأن تكون المحور السني الأساسي في المنطقة.

من هنا أصبح حلم أردوغان اليوم أقرب منه في أية فترة مضت. وأصبح من الأفضل لترامب التحالف معه. صحيح أن صراع المركز هو دائماً حتمية جيوبوليتيكية، ولكن عندما يدور هذا الصراع حول مركز المحيط القومي العربي، فإنه ينتقل من عاصمة عربية إلى أخرى، أما عندما يتحول إلى مركز محور ديني- إسلامي، فها نحن نعود، وبأيدينا وأموالنا إلى نهاية العصر العباسي. إلى تركز المركز خارج البيئة العربية كلها. وإذ يبدو هذا التحليل مؤلماً لنا كعرب، فإنه لا يعدو أن يكون واقعياً، وربما يكون الانطلاق منه مدخلاً لإعادة بناء عالم عربي متصدع.

“الخليج”

طباعة