aren

الأميركيون و«الوحدة الوطنية» الغائبة \\ كتابة : توماس فريدمان
الأحد - 4 - أغسطس - 2019

 

أتعجّب من كثرة الناس الذين حدثوني مؤخراً وقالوا: «إن ترامب سيفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة بفترة جديدة، أليس كذلك؟». وعندما استطردت وسألت عن السبب، كانت الإجابة تحملنا إلى المناظرات الرئاسية في الحزب «الديمقراطي» في يونيو الماضي. وأتصوّر أن كثيراً من الأميركيين كانوا مندهشين من بعض الأمور التي سمعوها حينئذ. وأنا من بينهم.

وأدهشني أن كثيراً من المرشحين في الحزب الذي كنت أنوي دعم مرشحه يرغبون في التخلص من التأمين الصحي الذي تُوفّره شركات القطاع الخاص، ويوفر تغطية ل250 مليون أميركي، على أن يقدموا بدلاً منه البرنامج الحكومي «ميديكير للجميع». وأعتقد أن علينا تعزيز «أوباماكير» وإضافة خيار حكومي في نهاية المطاف.

وأدهشني أن كثيراً جداً منهم كانوا مستعدين لتجريم دخول الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية. وأعتقد أن على الناس أن يستأذنوا قبل دخول منزلي أو بلادي.

وقد أدهشتني أيضاً كل الأيدي التي رفعت تأييداً لتوفير تغطية صحية شاملة للمهاجرين غير الشرعيين. وأتصور أن الوعود التي قطعناها لمواطنينا الأميركيين يجب أن تكون لها الأولوية، مثل المحاربين القدامى الذين يحتاجون إلى رعاية صحية أفضل. وأدهشني مدى ضعف رد «جو بايدن» المرشح المتصدر في المنافسات التمهيدية للحزب «الديمقراطي» على هجوم منافسته «كاملا هاريس»، والأفكار الأشدّ تطرّفاً التي يُروّجها مرشحو اليسار.

لذا، لم يُدهشني سماع كثير من الناس يعربون عن خوفهم من أن الرئيس الأميركي الحالي، الذي لا يعترف بالتغير المناخي، وصاحب التصريحات غير الودية تجاه المرأة والمهاجرين والسود، سيُنتخب لفترة ثانية، وقد ارتفعت معدلات تأييده في استطلاعات الرأي.

أعزائي «الديمقراطيين»:

الأمر ليس معقداً! فقط رشحوا شخصاً عاقلاً ودمث الخلق.. شخصاً ملتزماً بإعادة توحيد البلاد وتوفير مزيد من فرص العمل الجيدة، ويمكنه كسب تأييد المستقلين و«الجمهوريين المعتدلين» والنساء في الضواحي، ممن نأوا بأنفسهم عن تأييد الحزب «الجمهوري» في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وساهموا في استعادة «الديمقراطيين» السيطرة مرة أخرى على مجلس النواب، ومن الممكن أن يفعلوا ذلك ثانية مع الرئاسة الأميركية. وعندئذ سيفوز هذا المرشح!

ومن فضلكم، جنّبونا ثورة اليسار! فالثورة يمكن أن تنتظر. فقط عليكم أن تفوزوا بالرئاسة، وتسيطروا على مجلس النواب، وتقلّصوا الفارق في مجلس الشيوخ، وعندئذ لا تزال هناك أمور كثيرة جيدة يمكن إنجازها. وأما إذا قلتم: «كلا، فجناح اليسار يريد ثورة الآن!»، فعندئذ ستتحوّل الثورة التي يريدها اليسار إلى: أربع سنوات أخرى لترامب في السلطة!

أربع سنوات أخرى لترامب في السلطة سيشعر خلالها بأنه محق في كل ما يقوله ويفعله! أربع سنوات أخرى لا يحمل فيها عبء إعادة انتخابه، ويكيل فيها الانتقادات الغريبة لخصومه، ويعين أشخاصاً مثيرين للجدل في إدارته، ويضم قاضيين من اليمين المتطرف عمرهما دون الأربعين عاماً إلى المحكمة العليا.. تلك هي الثورة!

وسيعني ذلك الإطاحة بكل المفاهيم والقيم والقواعد والمؤسسات التي نعرفها، والتي جعلتنا ما نحن عليه الآن ووحّدتنا في مشروع مشترك اسمه الولايات المتحدة الأميركية.

وإذا لم يُحفّز ذلك قاعدة الحزب «الديمقراطي»، فعار علينا جميعاً. وليست كل الانتخابات متساوية. فبعض الانتخابات هي تصويت من أجل إجراء تغييرات عظيمة من أجل مجتمع عظيم. وأخرى هي تصويت لإنقاذ البلاد. والانتخابات المقبلة من النوع الأخير. ولا يعني ذلك أن المرشح «الديمقراطي» لا يحتاج إلى الدفاع عن مبادئ، لكن فقط اجعلوا الأمر بسيطاً: ركزوا على تعزيز الوحدة الوطنية وتوفير الوظائف الجيدة.

وأقول وحدة وطنية لأن أميركيين كثيرين مرعوبون وقلقون بسبب الانقسام الشديد، والشلل، الذي تعاني منه البلاد. لذا، هناك حاجة لشخص يجتمع الأميركيون من حوله. وأقول وظائف جيدة لأنه عندما تصبح ثروة واحد في المئة من المجتمع تساوي ثروة 90 في المئة منه، فعلينا أن نعيد تقسيم الكعكة. وأُفضّل زيادة الضرائب على أثرى أثرياء أميركا لدعم برنامج تعليم شامل قبل المدرسة، وخفض عبء قروض الطلاب. ودعونا نمنح أطفالنا انطلاقة قوية، وطلاب الجامعة بداية جديدة.

لكن يزعجني أن قليلاً من المرشحين «الديمقراطيين» لا يتحدثون أيضاً عن نمو الكعكة، ناهيك عن الاحتفاء برواد الأعمال الأميركيين والمجازفين منهم. فمن أين يعتقدون أن الوظائف ستأتي؟ ورسالة الفوز هي أن نعكف على إعادة توزيع الكعكة الاقتصادية بطرق تمنح الجميع فرصة للحصول على قطعة، بينما نعمل أيضاً على نمو هذه الكعكة بصورة مستدامة.

وترامب يركز على نمو الكعكة، لكن يخاطر بالمستقبل. فهو يدفع النمو ببناء ديون مالية ومناخية هائلة سيدفع ثمنها أبناؤنا. وعلى «الديمقراطيين» التركيز على كيفية تنمية الثروة الأميركية وتوفير فرص عمل جيدة، من خلال نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص: فالحكومة تُخصّب التربة وروّاد الأعمال يُنمّون الشركات.

وهذه هي الرسالة التي يمكنها جمع عدد كاف من «الديمقراطيين» والمستقلين و«الجمهوريين» المعتدلين والنساء في الضواحي، للفوز بالبيت الأبيض.

“الاتحاد”

طباعة