aren

“الأسد – بوتين” بين كتابات مصلحة وردود نزقة…وبين الحقيقة \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الجمعة - 15 - مايو - 2020

الاسد

ازعجت الكتابات الروسية حول سورية ، (النظام والرئاسة) ، كثيرا من السوريين . كما استغرب كثير من السوريين، رد البعض عليها بمبالغات انفعالية ، وتركيبات متخيلة لمعاقبة الروس على ماكتبوا.

واستغلت القوى المعادية لروسيا وسورية ، كل ذلك ، وراحت تنفخ أخبارا وتحليلات، شكلت رواية اعلامية ، تنبىء بمآلات سيئة لسورية ولتحالفها مع روسيا ، وهذا مايستدعي ان نذكر بحقائق تساعد الى حد كبير في فهم مايجري. من هذه الحقائق مايلي:

اولا – العلاقات الروسية السورية ، استراتيجية تاريخية ، بدأت منذ أكثر من اربعين عاما مع الاتحاد السوفيتي ، ومستمرة بشكل فعال ، والمستمر الفاعل في هذا التحالف السياسي العسكري العلمي الاقتصادي ، هو الرئيسان (بوتين والاسد) ، اللذان ينسقان بكل كبيرة وصغيرة عبر اطر متعددة ، تجعل التواصل لاينقطع بينهما ، لذلك فانهما كممثلين لدولتين ، لايحتاج اي منهما الى كتابات اعلامية ، لتوصيل نصيحة او نقد ، او عتب ، او رد الى الطرف الآخر. العلاقة الروسية – السورية ، أساسية وفاعلة في رسم مستقبل المنطقة ، ولها تأثير كبير في مستقبل صورة العالم ، ونظامه الدولي.

ثانيا – ماكتب في روسيا عن الرئيس ، مزعج ، ولكنه حذف بعد 3 ساعات ، ومر للنشر عبر هامش حرية صحافة ، وعبر نافذين ، ربما كان لهم مصالح فيما نشر ، ولكن ما أكدته الدولة الروسية عبر النطاق باسم الكرملين ، ينسف أي استنتاج بان هناك تغيير في الموقف الروسي تجاه سورية ، ومن يتابع ماقاله مندوب روسيا في اجتماع مجلس الامن الاخير حول سورية ، والذي تزامن مع نشر هذه الكتابات ، يرى ان الموقف الروسي المطروح أمام دول العالم ، يقدر الاداء السوري ، ويؤكد دعمه لمواقف الحكومة السورية ، ويشدد على دور الدولة السورية في محاربة الارهاب ، وارساء الاستقرار في سورية ، والمنطقة.

ثالثا – اما الردود السورية الانفعالية ، فقد أوضح أصحابها ،انها مواقفهم الشخصية ، وانهم لايمثلون أي مؤسسة. ومايؤكد الصفة الشخصية لهذه الكتابات ، انها نشرت على صفحات شخصية على الـ”فيس بوك” ، ويبدو ان التأثر والحساسية تجاه ما طال الرئيس من الكتابات الروسية ، كان وراء الرد الانفعالي ، واذا كان من حق اي سوري ان يتأثر تجاه رئيسه ، فانه من حق سورية على أي شخص مثقفا كان ، او مسؤولا ، أو حزبيا ، أن يراعي علاقات دولته الاستراتيجية ، والا يترك للنزق ، ان يوقعه في اعلان مواقفه ، (لربما) تضر بتحالفات دولته وعلى أي سوري يكتب ضد الرئيس “بوتين” ، ان يسأل نفسه ماذا لو أخذت الرئاسة الروسية ، هذه الكتابات بجدية ؟ خاصة ان كان لكاتبها ، صفة ما ، ربما يفسرها البعض ، انها تمثل الدولة السورية.

الامر حساس ، وعلى المشتغلين بالشأن العام ، ان يضبطوا انفعالاتهم ، لان المصلحة الوطنية ، تقتضي الدقة والتوازن ، وتستلزم التركيز على الجوهري والاستراتيجي ، وهذا ما فعلته الدولة السورية ، تجاه هذه الكتابات.

رابعا – الموقف الروسي نأخذه من الرئيس (بوتين)، ومن الخارجية الروسية ، التي رفضت كل ماتضمنته الكتابات تجاه الرئيس الاسد ، أما الرئيس بوتين ، فكان موقفه واضحا جدا قبل شهور في منتدى “فالداي” عندما ذكر العالم بقناعته بالرئيس الاسد : لانه (استطاع الوقوف بوجه الارهاب وكسره ، ولانه حافظ على مؤسسات الدولة أثناء الحرب ، فاعلة بمستوى معقول ، ولانه يتمسك وقادر على الحفاظ على سورية موحدة ، وواحدة ، ولانه قادر على حماية سورية ، وانجاز المسار السياسي بمايحقق تطلعات الشعب السوري).

هذا الموقف ، الذي أعلنه الرئيس بوتين تجاه تقييمه للرئيس الاسد ، مازال أساس وجوهر ، وروح استمرار التعاون الروسي العسكري والسياسي والاقتصادي . وكل المتابعين للتطورات السياسية لا يمكن ان يمتلكوا صوابية الرؤية ، اذا ما تركوا موقف روسيا المعبر عنه الرئيس بوتين ، والجري وراء كتابات اعلامية على مواقع لها مصالح ذات رؤية تخصها ، وتخص مصالحها.

بالمقابل ، فان الموقف السوري تجاه روسيا والتعاون معها ، تعبر عنه الدولة السورية والرئيس الاسد ، الذي عبر في كل مناسبة عن مدى التنسيق والتوافق والتفاعل ، والعمل معا في محاربة الارهاب ، وتكريس الاستقرار في سورية والمنطقة ، والعالم. وهذا يتضمن ، التعاون في اعادة الاعمار والاصلاح المؤسساتي ، والارتقاء السياسي لتحقيق العدالة والمساواة ، والمشاركة السياسية بمستويات أرقى ، وأفعل.

خامسا – قبل أيام (الاسبوع الثاني من الشهر الجاري) ، احتفلت القوات الروسية في سورية بذكرى الانتصار على النازية ، وجرى الاحتفال في قاعدة “حميميم” على الساحل السوري بمشاركة القيادة العسكرية السورية ، وهذا التوافق الروسي السوري ضد النازية ، يجد تجسيده في التعاون بينهما لمحاربة الارهاب.

ألم يسم بوتين ، الارهاب بـ”النازية الجديدة” ؟ ألم يدع العالم من على منصة الامم المتحدة للتعاون لكسر وهزيمة هذه المنازية الجديدة (الارهاب) ؟ وحول هذه النقطة كان الرئيس بوتين قد كشف عشية “قمة العشرين” في العاصمة البريطانية – لندن أنه عندما درس مايجري في سورية في العام 2015 ، راجع ودقق في جميع التفاصيل ، ومع كل المؤسسات الروسية ، وخلص الى نتيجة : (ان انتصار الارهاب في سورية سيفتح الطريق امام الارهابيين للوصول الى روسيا) ، وأوضح انه ( كي لانجد الارهابيين في بيوتنا تدخلنا لمساعدة الدولة في سورية ) .

أي أن التعاون “السوري الروسي” ضد الارهاب في سورية ، هو مصلحة (روسية) ، مثلما هو مصلحة (سورية) ، وهذا معنى وجوهر التحالف بينهما . وأي تقييم للعلاقات بين “موسكو ودمشق” ، يجب ان يضع هذا الامر في أساسياته ، خاصة وان الرئيس بوتين ، أوضح اكثر من مرة ان الرئيس الاسد ، هو القادر على هزيمة الارهاب في سورية ، و”هو من يهزمه”.

الخلاصة :

قد يكون وراء الكتابات الروسية تجاه سورية ، و(الرئيس الاسد) ، مصالح وأهداف ، وقد يكون الدافع وراء الردود السورية ، حساسية تجاه مايمس الرئيس الاسد ، وولدت مبالغات ، طالت الرئيس بوتين ، وقد يكون مفهوما ، استغلال القوى المعادية لسورية وروسيا ، لهذه الكتابات ، لتكريس رواية سياسية اعلامية ، تروج لخلافات بين روسيا وسورية ، تمهيدا لموقف روسي ، ينقلب على الرئيس الاسد.

قد يكون كل ذلك ، محيطا بهذه الكتابات و(الردود عليها) ، واستغلالها من قبل القوى المعادية ، لكن وكي لاندخل في ضباب الاعلام الموظف ، والمصالح الضيقة ، والردود النزقة ، نستنتج من كل الحقائق ، التي اوردناها أعلاه :

ان التحالف (السوري الروسي) ، مبني على اسس متينة وتاريخية ، ويعمل لتحقيق أهداف في صميم المصالح الوطنية ، والامن القومي لكلا البلدين ، ولا تلجأ للاعلام للتخاطب ، أو لحل التباينات ، بل تعتمد التواصل المستمر ، والتنسيق الدائم بالاعتماد على الاحترام المتبادل.

وكل ذلك ، لايعني أبدا وجود بعض التمايزات في توجهات ، ومواقف البلدين ، ولكن الاحترام المتبادل ، والاتفاق على متانة هذا التحالف ، هو مايحول هذه التمايزات الى قوة للتعاون والتحالف المستدام ، والمتكيف مع متطلبات كل مرحلة.

الظاهر، ان كثيرين تأثروا بظواهر الكلام الاعلامي ، وشغلوا الناس بكتاباتهم ، وردودهم البعيدة جدا عن حقيقة مايربط الرئيسين    ” الاسد بوتين ” – ” بوتين الاسد”.

طباعة