aren

اسطنبول مجددا \\ كتابة : د.محمد نور الدين
الأحد - 23 - يونيو - 2019

 

بعد قرار اللجنة العليا للانتخابات في تركيا بإبطال نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول يعود الناخبون غداً (الأحد) للتصويت من جديد على هذا الموقع.

وكانت اللجنة العليا قد أعلنت فوز أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري والمعارضة أمام بن علي يلديريم مرشح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التي جرت في ال 31 من آذار / مارس الماضي. لكن حزب العدالة والتنمية قرر الطعن في النتائج نتيجة «مخالفات» متعددة، وقد قبلت اللجنة العليا الطعن من دون تبريرات جدية، وقررت إعادة الانتخابات يوم غد.

والمفارقة أن الناخب كان وضع في الانتخابات البلدية السابقة أربع أوراق في المغلف الانتخابي لأربع انتخابات للمختار، ومجلس المحافظة، والبلدية المحلية، ورئاسة بلدية إسطنبول. ومع ذلك قررت اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات الرئاسة فقط من دون الانتخابات الثلاث الأخيرة. وهو أمر غريب ويشكك في صوابية قرار اللجنة. فإذا كانت هناك مخالفات في انتخابات الرئاسة، فهي تسري تلقائياً على الانتخابات الثلاث الأخرى لكون المغلف يحتوي على أربع أوراق، وليس ورقة واحدة.

لا يختلف اثنان على أن قرار اللجنة العليا للانتخابات كان سياسياً بامتياز ونتيجة ضغوط حزب العدالة والتنمية الذي تعين سلطته السياسية في الدولة أعضاء اللجنة، كما تهيمن على كل السلطة القضائية، وهذا كان أحد أبرز انتقادات تقرير الاتحاد الأوروبي الأخير بشأن خضوع السلطة القضائية في تركيا للسلطة السياسية.

لم يستطع حزب العدالة والتنمية أن «يهضم» خسارته أبرز البلديات الكبرى من إسطنبول إلى أنقرة وإزمير وأنتاليا ومرسين وأضنه وديار بكر وغيرها. لكن الفارق الضئيل (وصل بعد إعادة احتساب الأصوات أكثر من مرة إلى 13 ألفاً) في انتخابات إسطنبول شجع حزب العدالة والتنمية على الطعن في انتخابات إسطنبول فقط. فضلاً عن أن مدينة إسطنبول توفر ثلث الناتج القومي التركي، وتدر أموالاً ومصالح اقتصادية طائلة تشكل خسارتها ضربة قوية لحزب العادلة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان الذي تولى رئاسة البلدية عام 1995، وبقي حزبه مسيطراً عليها حتى الآن. لذا فالخسارة أيضا معنوية وتمس بهيبة الحزب وأردوغان.

قبلت المعارضة قرار اللجنة العليا للانتخابات في تحدٍّ واضح لحزب العدالة والتنمية وثقة منها بأنها قادرة على تكرار الفوز والرهان على أن ردة فعل الناخب ونقمته ستكون أقوى بعد إلغاء الانتخابات، والفارق في النتائج سيكون أكبر لمصلحة أكرم إمام أوغلو، وحتى لا تتهم بأنها خائفة. وفي الواقع أن الخريطة الانتخابية لم تتغير كثيراً مع أمل أن يقترع الناخب الذي صوّت لمرشحين منفردين من المعارضة المرة الماضية، لمصلحة إمام أوغلو، حيث إن الفارق الضئيل في النتائج السابقة يعطي قيمة استثنائية لكل صوت. لكن رهان المعارضة على استقطاب تأييد حزب السعادة في إسطنبول ذهب سدى، حيث أصر حزب السعادة على إعادة ترشيح نجدت غوكتشينار لخوض الانتخابات، وهو ما سيحرم أكرم إمام أوغلو من مئة ألف صوت على الأقل كان نالها حزب السعادة في انتخابات ال 31 من مارس / آذار، وكانت كافية لحسم فوز إمام أوغلو.

في المقابل، فإن حزب العدالة والتنمية عمل عشية الانتخابات على محاولة إقناع أكثر من 400 ألف ناخب كانوا صوتوا له في الانتخابات الرئاسية والنيابية قبل سنة، لكنهم امتنعوا عن الذهاب إلى صندوق الاقتراع في ال 31 من مارس الماضي. ولو نجح في إقناع نصفهم أو حتى أقل فستتغير نتيجة الانتخابات، ويحسمها لمصلحة مرشحه بن علي يلديريم. والمفارقة المضحكة هنا أن حزب العدالة والتنمية كان قد ركّز في خطابه عشية انتخابات ال 31 من مارس على أنها انتخابات مصيرية يتعلق على نتائجها بقاء تركيا من عدمه، وأن من يربح إسطنبول يربح تركيا. لكن أردوغان تخلى الآن عن هذا الخطاب، ولم يتطرق في الدعاية لانتخابات الإعادة في إسطنبول إلى مسألة «بقاء تركيا من عدمه»، ووصف انتخابات إسطنبول غداً بأنها مجرد انتخابات لرئاسة بلدية. وهذا ما يعكس فشل الخطاب الديماغوجي والتضليلي والتهويلي والتهديدي والتخويني الذي خرج به حزب العدالة والتنمية، والذي يحاول الآن التخلي عنه عله يحصد نتائج إيجابية.

وفي جميع الأحوال إذا تمكن بن علي يلديريم من الفوز غداً، فإن الشكوك ستظل تلاحق نزاهة الانتخابات، وسينظر إليها المجتمع الدولي على أنها تمت بضغط من رجب طيب أردوغان، وينظر بشبهات عالية لواقع الديمقراطية في تركيا. أما في حال فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو مجدداً، فهذه ستكون صفعة قوية جداً لحزب العدالة والتنمية ولهيبة أردوغان، وتؤكد أن المزاج الشعبي قد تحوّل بالفعل لمصلحة التغيير ولو المحدود أو الطويل المدى. لكن الخشية قائمة من أن يلجأ حزب العدالة والتنمية إلى عمليات تلاعب وغش وتزوير تضمن لمرشحه الفوز، خصوصاً أن الإمكانات المادية للتلاعب، لكونه السلطة المقررة، يملكها وحده، ومن ذلك هيمنته على قرار اللجنة العليا للانتخابات. وهذا قد يفتح انتخابات إسطنبول على سيناريوهات غير متوقعة خارج فوز أو خسارة أحد المرشحين.

“الخليج”الاماراتية

طباعة