aren

“اسرائيل” … متاهة سياسية \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 26 - سبتمبر - 2019

355

انتهت ثاني انتخابات عامة في «إسرائيل» من دون أن تنتهي المتاهة التي تعيشها الحلبة السياسية هناك جراء التناقضات الحادة داخل معسكر اليمين. وخلافا لتجارب الماضي فإن الإنشقاق الحاد داخل معسكر اليمين، خصوصا بين زعيم الليكود، بنيامين نتنياهو ورئيس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان دخل مرحلة حاسمة. ووصلت المسألة الآن إلى مرحلة الاستشارات التي يجريها الرئيس رؤوفين ريفلين لتحديد هوية المرشح المكلف بتأليف حكومة الاحتلال المقبلة.

كانت المتاهة السياسية في «إسرائيل» قد نشأت إثر الخلاف بين نتنياهو وليبرمان حول ما ينبغي فعله مع قطاع غزة حينما كان الأخير وزيرا للحرب في حكومة الأول. وقاد هذا الخلاف إلى تقديم موعد الانتخابات الى أبريل (نيسان) الفائت ما أنتج كنيست نال فيها معسكر اليمين 65 مقعدا لكن الخلافات بين نتنياهو وليبرمان حالت دون تمكن نتنياهو من تشكيل الحكومة. وكان لنتنياهو القدرة على تشكيل ائتلاف يميني من دون ليبرمان يضم 60 نائبا. لكنه فضل الذهاب إلى انتخابات جديدة بقصد إكساب اليمين مقعدا إضافيا يسمح له بتشكيل حكومة يمينية من دون الاعتماد على حزب ليبرمان.

وخلال هذه الفترة تعاظم الخلاف ليس فقط بين نتنياهو وليبرمان وإنما أيضا بين نتنياهو وأغلب أحزاب اليمين الأخرى. وجرت معركة انتخابية أراد نتنياهو فيها أن يفوز الليكود بلقب الحزب الأكبر لكن ذلك تم على أرضية صدامات مع حلفائه. وترافق ذلك مع اقتراب موعد تقديم لائحة اتهام بالفساد ضد نتنياهو وتنامي المعارضة لقانون الحصانة الذي سعى إليه لمنع تقديمه للمحاكمة. وفي العموم جاءت نتنيجة الانتخابات المعادة مخيبة جدا لآمال نتنياهو والليكود.

فقد خسر معسكر اليمين من دون ليبرمان خمسة مقاعد ليتراجع من 60 مقعدا في الإنتخابات الماضية إلى خمسة وخمسين. وكسب ليبرمان من هذه المقاعد الخمسة ثلاثة جعلته يقود حزبا يملك ثمانية مقاعد في الكنيست الجديدة بدلا من الخمسة التي كانت له في الكنيست السابقة. وقد عرض ليبرمان نفسه هذه المرة كمنقذ للاحتلال من كل من نتنياهو ودولة الشريعة واستمرار الانقسام. وأصر في دعايته الانتخابية على أنه لن يكون أبدا جزءأ من حكومة يمينية ضيقة وأنه لن يقبل بأقل من حكومة وحدة وطنية علمانية لا تخضع لابتزاز الأحزاب الحريدية. وأسهمت مواقف ليبرمان هذه في تعميق حدة المتاهة التي يعيشها الكيان.

فنتائج الانتخابات بينت أن حزب «أزرق أبيض» برئاسة رئيس الأركان الأسبق بني غانتس كسبت السباق على لقب الحزب الأكبر. ونال هذا الحزب 33 مقعدا مقابل 31 مقعدا لليكود. لكن المشكلة في أداء الحلبة السياسية في «إسرائيل» أن التكليف لتشكيل الحكومة لا يستند إلى عدد المقاعد التي يملكها هذا الحزب أو ذاك وإنما إلى عدد أعضاء الكنيست الذين يرشحون زعيم الحزب المعين لتشكيل الحكومة. وترشيح أعضاء الكنيست أمام رئيس الكيان لزعيم هذا الحزب أو ذاك يعني التعهد بمساعدته في تأليف الحكومة.

وهنا بدأت المشكلة الجديدة. فمعسكر اليمين من دون ليبرمان نال في الانتخابات 55 مقعدا توزعت على الشكل التالي: 31 لليكود، و9 لحركة شاس و8 ليهدوت هتوراه و7 لحزب «إلى اليمين» بزعامة أييلت شاكيد. وهذا المعسكر رغم ما يحويه من خلافات يلتف بشكل ما حول زعامة نتنياهو ويجد نفسه ملزما بترشيحه خشية خسارة المكاسب اليمينية التي تحققت في عهده. وعدا ذلك فإن هذه الأحزاب تخسر كثيرا من قوتها إذا تشكلت حكومة وحدة وطنية أو إذا خسرت رئاسة نتنياهو لهذه الحكومة.

وفي المقابل فإن من يواجهون معسكر اليمين ليسوا من طينة واحدة ويصعب عليهم الاتحاد ضده. وحزب «أزرق أبيض»، الذي يرأسه ثلاثة من رؤساء الأركان السابقين أحدهم، موشي يعلون، بين الأشد فاشية لا يختلف كثيرا عن الليكود. ويعلن الحزب عن نفسه أنه حزب وسط لا يعارض الالتقاء مع أحزاب يمينية خصوصا من اليمين الديني. وإلى جانب «أزرق أبيض» هناك كتلة «العمل-غيشر» والتي نالت ستة مقاعد وهي بقايا حزب العمل التاريخي. وأيضا هناك حزب ميرتس الذي اتحد مع أنصار إيهود باراك وكسب في الانتخابات خمسة مقاعد. وبطريقة ما يمكن ضم هذه القوى في معسكر واحد يرشح بني غانتس ويجعل هذا المعسكر يضم 44 مقعدا.

ويرفض ليبرمان وحزبه( ثمانية مقاعد)، وهو من عظام رقبة اليمين، هذا التقسيم ويصر على أنه قادر على إعادة رسم صورة الحلبة السياسية الصهيونية ودفعها في اتجاه أكثر عقلانية عبر إصراره على حكومة الوحدة الوطنية. ورغم أن ليبرمان لا يعارض بقاء نتنياهو على رأس الليكود وترؤسه لحكومة الوحدة إلا أنه يتمنى غياب هذا الرجل عن الواجهة وتولي غيره زعامة الليكود لخلق معسكر قومي علماني. وفي كل حال هذا يعني أن ليبرمان ليس مع معسكر نتنياهو ولن يوصي به مرشحا لتشكيل الحكومة كما أنه لن يوصي ببني غانتس.

ولذلك اتجهت الأنظار صوب العرب الذين صاروا الحزب الثالث الأكبر في الحلبة السياسية في الكيان، بعد أن عادوا واتفقوا على خوض الانتخابات في «القائمة العربية المشتركة»، يعرفون أنهم منبوذون من اليمين ومن «أزرق أبيض» على حد سواء. وعدا ذلك فإن معاناة العرب في داخل الكيان كان منبعها النهج الصهيوني الذي تمسكت به كل الأحزاب الصهيونية على مدى عقود وجود هذه الدولة. وقد دخلت القائمة العربية في متاهة شديدة جراء رفض أغلبية مكوناتها لأسباب راهنة وتاريخية الدخول في ائتلاف مع أي من اليمين أو «أزرق أبيض». ولكن الواقع يفرض على القائمة العربية أن تختار بين أمرين أحلاهما مر: عدم ترشيح بني غانتس ما يعني تغليب ترشيح نتنياهو لتشكيل الحكومة المقبلة. فترشيح القائمة العربية لبني غانتس تعني نيله 57 صوتا مقابل 55 صوتا لترشيح نتنياهو. وحتى اللحظة ليس معروفا وجهة تصويت القائمة العربية.

وهذا يفتح الباب أمام احتمالات مختلفة ومتناقضة لا يحسمها سوى ليبرمان نفسه. فإن صوت العرب لصالح غانتس سيكون على ليبرمان الاختيار بين البقاء على الحياد والسكوت وستسجل نقطة في غير صالحه لدى أنصار اليمين. وإن قبل التصويت لصالح غانتس فإنه يحسم الأمر بشدة ويعني انتقاله بشكل حاد من معسكر اليمين إلى المعسكر المقابل.

ومع ذلك وفي غمرة الخوض في المتاهة تدور محادثات جانبية مكثفة بعضها لإبعاد نتنياهو عن الواجهة وعرض مرشح ليكودي آخر يقبل به ليبرمان ويفتح الطريق لحكومة وحدة وطنية. وهناك محادثات تجري لمقايضة خروج نتنياهو من الحياة السياسية مقابل عفو مسبق من الرئيس رؤوفين ريفلين يمنع محاكمته.

“الخليج”

طباعة