aren

ادونيس : “الأدب لا يقاس بوجازته أو إطالته، بل بإبداعه وعمقه”
الخميس - 27 - يونيو - 2019

\التجدد الاخباري \ مكتب بيروت

“لا يحتاج الأستاذ أمين الدّيب صاحب هذه المبادرة التي تجمعنا الآن إلى المدْح، فهو يقوم بها كما أظنّ، تحقيقاً لنوعٍ من الواجب الثقافي. ليس من الثقافة إذاً أن نسارع أو يسارعَ بعضنا إلى رفض هذه المبادرة، أو التشكيك فيها أو هجوها.هكذا ينبغي على المعنيين بالكتابة، شعراً ونثراً، أن يساندوا هذه المبادرة، خصوصاً أنّها تجيء في مرحلةٍ زمنيّةٍ مُرْهَقَةٍ ومُرْهِقَةٍ، عدا أنّها تحاول العبور إلى المستقبل على جسورٍ واهنةٍ جدّاً، وملتبسةٍ جدّاً.

لكنْ لا بُدَّ من أن تكون هذه المساندة مشروطةً بأمرين: الأول هو الوعي بأنّ الكتابة الأدبيّة، نثراً وشعراً، لا تأخذ قيمتها من الإيجاز لذاته وبحدّ ذاته، أو من الإطالة لذاتها وبحدّ ذاتها، وإنّما تأخذ قيمتها من فرادتِها الإبداعية، ومن طاقاتِها المتنوّعة في الكشف والمعرفة، ومن جماليّة هذا كلّه. هناك إيجازٌ فارغ مبتذل، كما أن هناك إطالةً فانيةً مُبتذَلة.ومن غير الجائزِ، على نَحْوٍ أخصّ، أن يتكرّر ما وقعت فيه ما سمّيناه اصطلاحاً بقصيدة النّثر. فقد وصلت في مستواها الكتابيّ إلى درجةٍ امْتُهِنَتْ فيها الكلمات حَتّى لو أَنّها تقدرُ على الغضب والسُّخط، لكانت تصرخ في وجوهنا جميعاً: اتركوني وشأني.

أمّا الأمر الثاني فيرتبط جذرياً بالأوّل، وهو الكتابة في أفقٍ يُخرِج الأدب، شعراً ونثراً من العالم الخيطيّ، الخَطّي، ذي البُعْدِ الواحد، إلى عالَمٍ مركّبٍ، متعدّد الأبعاد. آملُ إذاً أن تكون الدّعوة إلى “الأدب الوجيز” تعني الدّعوة إلى إبداع ينهض على رؤية خَلاّقةٍ، بَصراً وبصيرةً، عمقاً وعلوّاً، إضافةً إلى الجهات الأربع في جغرافية المعرفة، بحيث تنشأ أشكال جديدة من طرق التّعبير، وتنشأ علاقاتٌ جديدةٌ بين الكلمة والكلمة، وبين الكلمة والشيء، وبين الإنسان والعالم.نشأ الأدب الوجيز، حركة تجاوزيّة جديدة، تنظر إلى المستقبل المحفوف بالالتباس، بعينٍ رأت الماء الرّاكد، فاستحضرت حجرها لترميه في بركة الواقع الرّاهن، بمنطلقاتٍ فكريّةٍ تنظيريّةٍ تؤسّس لواقعٍ تعبيريّ”.

ينطلق “ملتقى الأدب الوجيز” في مرحلة يعاني فيها الأدب القائم على الأشكال الوجيزة، شعراً ونثراً، أزمة واضحة المعالم، في الأدب العالمي والأدب العربي.

ويشير الناقد الفرنسي مونتاندون إلى هذه الأزمة مركزاً على أن بعض الكتّاب يجدون نفسهم غير قادرين أو عاجزين عن الكتابة في مفهومها الشائع، فيلجأون إلى هذه الأشكال الوجيزة التي يجدون فيها مهرباً من أزمتهم وحلاً منشوداً.

ونتاج هؤلاء ينعكس سلباً على هذه الكتابة الوجيزة التي تصبح معهم على مقدار من الخفة والركاكة والنقصان… وقد تكون الكتابة الوجيزة- برأيي الشخصي- أصعب من الكتابة المتعارف عليها، فالإيجاز فن يفترض الكثير من الحذاقة والرهافة والدُربة.

هذا فن الاختصار، فن قول الكثير عبر قول القليل. فالشذرة كما يقول الكاتب الفرنسي الكبير موريس بلانشو “تدمر لامرئياً الظاهر والعمق، الواقع والممكن، الفوق والتحت، الجلي والخفي”. وهي كما يعبر الناقد رولان بارت “ديمومة صغيرة ممتلئة تماماً”. ويقول بول فاليري في هذا الصدد: “بين كلمتين، يجب انتقاء الأقل”.

وإذا عدنا اليوم إلى قصيدة الهايكو الحديثة التي تُكتب في العالم وفي اليابان، نجد أنها وقعت في شرك الاستسهال والخفة، علماً أنها غاية في الصعوبة والإحكام. وقد خرج شعراء هايكو يابانيون أخيراً، عن تقاليد الهايكو الراسخة فكتبوا ما سموه “الهايكو خارج الفصول”، مواجهين الأزمة التي لم ينجوا منها.

وتتبدى الأزمة أيضاً في ما يسمى القصة القصيرة جداً (وهي من “الأشكال الوجيزة”) التي وقعت في النمطية، فيما هي تحتاج إلى قدرة فنية عالية. فالإيجاز هنا في السرد أو في بناء اللقطة، يتطلب براعة لغوية شديدة. حتى القصة القصيرة جداً ليست جديدة أو حديثة على غرار “الأدب الوجيز” كما يفهمه أمين الذيب وجماعة الملتقى، فالكاتب فينيون من القرن كتب ما سماه حينذاك “قصصاً بثلاثة أسطر”.

ليس كل أدب اعتمد الإيجاز أو الاقتضاب وارتكز إلى “الأشكال الوجيزة” هو أدب مهم وجديد، فالوجازة ليست شرطاً من شروط الكتابة بل هي شكل من أشكالها أياً تكن هذه الكتابة، شعراً أو رواية أو قصة أو مذكرات أو تأملات، والأدب لا يقاس بوجازته أو بقصرته أو إطالته، بل بإبداعه وفرادته وعمقه.

نص الكلمة التي ألقاها “أدونيس” في “ملقتى الأدب الوجيز”

طباعة