aren

“ابن الكلب” والازدواجية الفلسطينيّة الجديدة \\ كتابة : جهاد الزين
الثلاثاء - 27 - مارس - 2018

 

FRIEDMAN-PRAYS-AT-KOTEL-BEFORE-STARTING-HIS-NEW-JOB-MAY-15-2017

تسمية الرئيس الفلسطيني محمود عباس للسفير الأميركي في إسرائيل دافيد فريدمان بـ “ابن الكلب”، بعدما قال هذا السفير الذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب أن المستوطنين في الضفة الغربية يبنون على أراضيهم، أي على أرض هي لهم… هذه التسمية هي إعلان لحقبة فلسطينية جديدة في هذا الصراع الطويل منذ العام 1920.

هناك عدد من المعاني – المؤشرات قد تنطوي عليها هذه التسمية.

1- موت “الاعتدال” الفلسطيني

منذ خطابه أمام المجلس المركزي الفلسطيني بعد إعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يتصرّف الرئيس محمود عباس كقائد في مدرسة الحركة الوطنية الفلسطينية كما صاغتها حركة “فتح”. لم يخرج الرجل عن دعوته لعدم استخدام السلاح في المقاومة ولكنه فعل ما هو أكثر راديكالية: لقد كسر أدبيات التعاطي مع الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها عبر انتهاج لغة نقدية صريحة وعالية النبرة تدل على يأس الزعيم العنيد للاعتدال الفلسطيني من الرهان على الغرب وواشنطن والتفاوض مع الطاقم الحالي الذي يدير إسرائيل.

الرجل يتصرّف عمليا وكأن حياته السياسية الحافلة بالتفاوض مع الإسرائيليين، طويلا قبل اتفاق أوسلو، قد شارفت على نهايتها ولم يعد مكترثا لمنصبه السياسي الذي ساهم الغرب في احتفاظه به هذه المدة الطويلة، والمتوقّع أن يبدأ التحريض الأميركي الترامبي ضده قريبا .

2- دولة الأبارتهايد

لكن ما هو أهم من خيار “أبو مازن” ما يعكسه هذا الخيار من تحولات عميقة لدى النخبة الفلسطينية (غير الإسلامية الأصولية)، وهي الأكثرية بين النخبة بأجيالها المختلفة. صحيح أن نقاشا متشعبا يدور منذ سنوات بين هذه النخب في الداخل والدياسبورا حول مصير “حل الدولتين” وبدائله، بالتوازي مع نقاش عالمي على هذا المستوى شارك ويشارك فيه ناشطون ومثقفون يهود غربيون، غير أن صدمة القرار الترامبي بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل والمترافقة، قبل وبعد، مع استمرار الاجتياح الاستيطاني للضفة الغربية ومحيط القدس، يجعل الآن النضال الوطني الفلسطيني يتصرف عمليا من الآن فصاعدا على أساس بناء استراتيجيات نضالية جديدة. يقوم ذلك على واقع وجود الفلسطينيين مع الإسرائيليين في دولة واحدة، سبق للكثيرين في الغرب أن استشرفوها كدولة تمييز عنصري الوحيدة الباقية في العالم.

ومن كتاب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر تحت هذا العنوان (الأبارتهايد) إلى تصريح جون كيري خلال وجوده في وزارة الخارجية في ولاية أوباما الثانية حول تحوّل إسرائيل إلى دولة تمييز عنصري وبينهما وبعدهما عشرات المقالات منها لناشطين يهود أميركيين، كان التحذير في العالم من خطر موت حل الدولتين يترافق مع تصاعد قبضة اليمين الليكودي على السلطة ومع تصاعد غلبة التطرف اليميني في المجتمع الإسرائيلي. فحتى هذه اللحظة ومع اقتراب احتمال سقوط نتنياهو لا تزال البدائل الأكثر ترجيحا آتية من اليمين وحتى من داخل الليكود الذي يشهد انشقاقا وولادة حزب جديد حاليا.

3- النضال كدولة واحدة دون إلغاء خطاب حل الدولتين

المفارقة الدقيقة التي يجب رصدها هنا هي أن موت الاعتدال الفلسطيني لا يعني موت حل الدولتين من موقع الناشطين والمناضلين الفلسطينيين. لم يمت حل الدولتين بل بدأ التصرف الجَماعي الفلسطيني باعتبار أن إسرائيل هي دولة الأبارتهايد الواحدة. لذلك تنبئ الخطابات الفلسطينية البارزة الأخيرة، بدءاً من خطابات محمود عباس، أن الوعي الجَماعي الفلسطيني يتجه أو قد بدأ، إلى خلق أشكال من المقاومة الجديدة على أساس الدولة الواحدة ولكن دون التخلي عن مكاسب طريق “حل الدولتين”.

وهذا يضيء على اتفاق أوسلو كمكسب تاريخي للشعب الفلسطيني أمّن خلقَ مؤسسات تفاعل دائمة في الأرض المحتلة ونقل مركز الثقل الفلسطيني بشكل مستمر إلى الداخل. وقد آن الأوان لوقف الكلام السهل ضد اتفاق أوسلو، لا باعتباره لم يحقق الحل الذي تمنعه إسرائيل، فهذا حقيقي، ولكن باعتبار نتائجه أداةً نضالية دائمة ضد الاحتلال عزّزت الاعتراف الدولي بفلسطين وأعطت فلسطينيي الداخل أدوات مؤسساتية أفضل من عدم وجودها (هل كان يمكن تخيُّل وجود حركة حماس المسيطرة على غزة من دون المرور باتفاق أوسلو؟ الاتفاق الذي يشتمه كثيرون وعلى رأسهم “حماس” ويتظللون بمؤسساته في الوقت نفسه).

عليّ أن أضيف هنا أن هذا التقييم الإيجابي لحصيلة أوسلو كأداة انتقال للداخل وتعزيز المواجهة وليس كمسار سياسي للحل، لا يعني قبول غض النظر عن تجارب الفساد والزبائنية المحبطة في بعض مؤسساته. لكن هذا ملف مختلف على كل أهميته.

في هذه الازدواجية الفلسطينية الجديدة، النضال داخل دولة التمييز العنصري الواحدة والتمسك بشعار الدولتين في آن معا، ربما يكمن كل مفتاح التحول الفلسطيني.

أخيرا وليس آخرا يكاد يتساوى الآن عدد الفلسطينيين مع الإسرائيليين من النهر إلى البحر (إسرائيل والضفة وغزة). البعض يعتبر أن عدد الاسرائيليين متفوِّق بنسبة محدودة ( 8 ملايين ونيّف مقابل 7ملايين ونيّف) والبعض الآخر يرى أن النسبة الحقيقية تجعل الفلسطينيين أكثر عددا بنسبة محدودة (8 ونيف مقابل 8 ونيف). التقدير الأول يعتمد أرقاما رسمية إسرائيلية أما التقدير الثاني الذي يتبناه بعض المعلقين الإسرائيليين فيعتمد أرقاما إسرائيلية يقول أنها غير معلنة.

دولة واحدة ميدانيا ومشروع دولتين سياسيا… في حقبة جديدة من مسار النضال السلمي الفلسطيني داخل دولة التمييز العنصري الواحدة والوحيدة لتحقيق حل الدولتين!

في النتيجة… لا يكف الفلسطينيّون عن استحداث أدوات سياسية وميدانية للمواجهة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

“النهار”

طباعة