aren

«إيكونوميست»: المقامرة العسكرية الروسية في سوريا تؤتي ثمارها بسخاء
الأحد - 19 - مايو - 2019

روسيا

التجدد – \قسم الترجمة الخاصة\

حققت موسكو انتصارات متتالية فى سوريا، فقد أنقذت حكومة الرئيس السورى، بشار الأسد، بتكلفة بسيطة نسبياً، وأصبحت هى صانعة الملوك فى دمشق، وعادت كوسيط قوى فى الشرق الأوسط ،لأول مرة، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وهو ما يختلف كليًا عن تجربة أمريكا، التي تحول غزوها للعراق إلى كارثة دموية، أو تجربة الأوروبيين الغربيين ،الذين قادوا حملة جوية في ليبيا للإطاحة بالديكتاتور معمر القذافي، والأهم من ذلك أن كسر هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط ،بات يدل على أن روسيا ليست مجرد «قوة إقليمية»، كما قال الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، ذات مرة، لكنها قوة عالمية.

لقد فاجأت روسيا نفسها ببراعتها، حيث يتذكر العديد من الروس ،كيف أدى التدخل في أفغانستان، عام 1979، إلى تدمير الاتحاد السوفييتي، كما كشفت حرب روسيا في جورجيا، عام 2008، عن العديد من أوجه القصور، بما في ذلك الأداء الضعيف للقوات الجوية، كما جلب ضمها لشبه جزيرة القرم، وحربها، غير المعلنة، في شرق أوكرانيا، في عام 2014، العقوبات الغربية والعزلة.

ويقول مستشار السياسة الخارجية للحكومة الروسية، (فيودور) لوكيانوف: «لقد كان النجاح العسكري أكبر بكثير مما توقعه أي شخص، فقد أثبتت موسكو في سوريا أن لديها كفاءة في استخدام القوة العسكرية، مقارنة بالتجربتين السابقتين في جورجيا وأوكرانيا، أما من الناحية السياسية، فقد كانت المفاجأة أكبر».

وقد تحولت موسكو إلى مركز للدبلوماسية في الشرق الأوسط، ففي عام 2017، أصبح الملك سلمان أول ملك سعودي يزور روسيا، كما التقى رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين (نتنياهو)، مع الرئيس الروسي، (فلاديمير) بوتين، عدة مرات منذ التدخل، وقد بات الدبلوماسيين الروس الذين قضوا عقوداً كمتفرجين على الإدارة الأمريكية ،وهي تقود عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، يسعدون الآن بمعرفتهم أنه يتعين على أمريكا اليوم ،أن تراقب الأوضاع، بينما تتفاوض روسيا، وتركيا، وإيران، على مستقبل سوريا، وتقود الحكومة السورية، بدعم من قاذفات القنابل الروسية، عمليات إعادة السيطرة على محافظة “إدلب”، آخر منطقة رئيسية ،ما زالت في أيدي المتمردين.

ومما يلفت النظر ،أن روسيا قد تمكنت من الاحتفاظ بصداقات مع جميع الخصوم في المنطقة:( إسرائيل وإيران، تركيا والأكراد، المملكة العربية السعودية وقطر).

وأبرمت روسيا والسعودية ،صفقة غير مسبوقة في أوائل عام 2017 للحد من إنتاج النفط، مما ساعد على رفع الأسعار، التي انخفضت إلى ما دون 30 دولارًا للبرميل في عام 2016، لتصل إلى المستوى الحالي فوق 60 دولارًا، ويرى الروس أن الصفقة ما كانت لتتحقق ،لولا مكانة روسيا الإقليمية المعززة.

وقد استخدم بوتين نجاحه السوري لصالحه في أماكن أخرى، فهو يخطط لاستضافة قمة مع القادة الأفارقة في نشرين أول\ أكتوبر المقبل، وتساعد روسيا أيضًا في دعم نظام نيكولاس (مادورو) في فنزويلا، حيث باتت اليوم أمريكا، هي التي تشكو من تدخل روسيا في مجال نفوذها، وليس العكس.

وحينما أمر بوتين قواته بدخول سوريا ،كانت أولويته هي تجنب انهيار (نظام الأسد)، والمخاطرة بأن تصبح سوريا مصدراً للجهادية لموسكو، وهناك سبب آخر ،وهو الخروج من العزلة الدبلوماسية،التي واجهها بعد تدخله في أوكرانيا.

ولكن كيف نجحت روسيا فيما فشل فيه الآخرون؟ فهي نجحت لأنها استوعبت الدروس من غزو أمريكا للعراق، والاعتماد في الغالب على قوتها الجوية، وعلى وكلاء محليين على الأرض: الجيش السوري، والقوات الإيرانية، ومقاتلي حزب الله من لبنان ،وغيرهم.

وتلعب السخرية دوراً في الأمر، حيث إن بوتين أقل اهتمامًا من القادة الغربيين بالرأي العام، أو بمنظمات المجتمع المدني، التي تثير الضجة حول تصرفات روسيا، فهو لا يبالي بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ويقول أحد الدبلوماسيين العرب «لدينا مصلحة مشتركة في عدم التدخل في شؤوننا الداخلية».

فمن وجهة نظر بعض القادة العرب، فقد تخلى أوباما عن الرئيس المصري السابق، حسني (مبارك)، بينما وقف بوتين إلى جانب الأسد، وحتى لو كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أكثر انحيازًا إلى الحكام العرب، فإنهم يجدون موقفه متغيرًا، ويضيف الدبلوماسي: «نحن نختلف مع روسيا حول أشياء كثيرة، لكن عندما يقدم بوتين التزامًا، فهو ينفذه».

وربما يكون السبب الرئيسي الذي يجعل روسيا تتحدث مع جميع اللاعبين في المنطقة ،هو أنها ليست أمريكا، فبالنسبة لمعظمهم، تظل الأخيرة هي الحامي الأكثر أهمية، ولذا فإن خوفهم يزداد عندما يقل اهتمامها بهم، حيث خشى قادة إسرائيل والخليج من خيانة أوباما عندما تفاوض على صفقة في عام 2015 للحد من البرنامج النووى الإيراني ،مقابل رفع جزئي للعقوبات، فإذا كان حكام المنطقة يتقربون من روسيا، فإن الأمر يعود في معظمه إلى رغبتهم في استعادة التزام أمريكا تجاههم.

ووسط الفخر بالانتصار في موسكو، هناك أيضا الكثير من التوتر، فقد تكون أراضي روسيا شاسعة، ولكن اقتصادها ضعيف، ولذا فإنه على الرغم من كل مظاهر الوطنية، فإن التأييد للحرب ليس كبيرًا: ووفقًا لمركز ليفاد لاستطلاعات الرأي المستقلة، فإن ٣٥٪ من الروس لا يؤيدون سياسة بلادهم في سوريا، مقابل 51٪، ويعتقد معظمهم أن العملية العسكرية ،يجب أن تنتهى.

وقد يصبح الرأي أكثر عدوانية إذا ساءت الأمور في سوريا، والتي يعرف المسؤولون الروس أنه أمر ممكن للغاية، فهم يتعلمون درسًا آخر من الحرب الأمريكية في العراق: من الأسهل الفوز بانتصار عسكري قصير الأجل ،بدلاً من تحقيق تسوية سياسية دائمة، فهناك الكثير من المخاطر الكارثية: مواجهة مع تركيا حول إدلب، على سبيل المثال، أو غزو تركي لطرد الأكراد السوريين، أو حتى الحرب بين (إسرائيل وإيران).

باختصار.. إن القوة التي يحاول بوتين إبرازها في الخارج، على أمل أن يعزز مكانته في الداخل، هشة للغاية، فالعالم متعدد الأقطاب الذي سعى إلى تحقيقه ،قد يترك روسيا على الهامش، فهي لا تملك القوة العسكرية الأمريكية، ولا القوة الاقتصادية الصينية.

وفي الوقت الحالي، قد يحب بوتين هتاف الوطنيين في بلاده ،وهم يحتفلون بانتصارهم في سوريا، ولكنه يخشى أن يبدأوا قريبا في البكاء والمطالبة بعودة أولادهم إلى موسكو.

\المصدر\

https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2019/05/12/russias-military-gamble-in-syria-is-paying-off-handsomely

طباعة