aren

«إيران» في سوريا .. «ضبط» أم خروج؟ \\ كتابة : د. محمد فراج أبو النور
الخميس - 4 - يوليو - 2019

 

الاجتماع الثلاثي لمستشاري الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، والروسي نيكولاي بارتوشيف، و«الإسرائيلي» مائير بن شبات في القدس الغربية (25 يونيو المنقضي) هو أول اجتماع بين ممثلين على هذا المستوى الرفيع للدول الثلاث لمناقشة قضايا الأمن والاستقرار في سوريا والشرق الأوسط. صحيح أن هذه القضايا كانت دائما محل مناقشة مستمرة بين الدول الثلاث، وعلى مستوى الزعماء إلا أن ذلك كان يتم بصورة ثنائية بين كل دولتين على حدة.. بينما يجري هذه المرة بصورة ثلاثية وإن يكن على مستوى أقل، غير أنه رفيع بما فيه الكفاية.

هذا هو ما يفسر الاحتفاء «الإسرائيلي» الكبير بالحدث سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، وحرص بنيامين نتنياهو على افتتاح الاجتماع بنفسه، بكلمة أولتها وسائل الإعلام «الإسرائيلي» اهتماما كبيرا.

وبعيدا عن مبالغات نتنياهو في وصفه لاجتماع لمستشاري الأمن القومي بأنه «قمة»! وهو وصف لا يطلق إلا على لقاءات زعماء الدول، فضلا عن إطلاق صفة «التاريخي» عليه!! فالمؤكد أن هذا اللقاء قد حقق مكاسب مهمة ل«إسرائيل»، أولها هو استضافتها له، واستجابة الدولتين العظميين لدعوتها لحضوره..

وبغض النظر عن نتائجه ومدى نجاحه، فالأمر الأكثر أهمية هو جلوس ممثل «إسرائيل» مع ممثلي الولايات المتحدة وروسيا، كطرف متكافئ من الناحية الرسمية على الأقل، لبحث قضايا تتصل بالأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها. وهو ما اعتبره نتنياهو «اعترافا بمكانة إسرائيل»، متجاهلا – عن عمد طبعا – فارق القوة والمكانة الضخم بين بلده وبين الدولتين العظميين، وحقيقة أن الدور الذي تلعبه تل أبيب في المنطقة لم يكن ليحدث لولا الدعم الأمريكي اللا محدود لها على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وقد ناقش الاجتماع عددا من القضايا المهمة المتصلة بالأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من بينها الأزمة الإيرانية- الأمريكية، والدور الإيراني في المنطقة عموما.. والأوضاع في سوريا ومستقبل التسوية السياسية فيها، ومسألة ومواصلة التنسيق بين الأنشطة العسكرية الأمريكية و«الإسرائيلية»، والأنشطة الروسية على الأراضي السورية لتفادي وقوع أي صدام عارض وغير مرغوب فيه.. الخ.

إلا أن القضية الرئيسية التي ناقشها الاجتماع كانت قضية الوجود الإيراني والميليشيات الموالية لطهران في سوريا، وكذلك مستقبل التسوية السياسية في سوريا بما في ذلك مستقبل وجود الرئيس الأسد في الحكم.. ومعروف أن هذه قضية تشتد فيها الخلافات بين الموقفين الروسي من ناحية، والأمريكي- «الإسرائيلي» من نحية أخرى، ومع وجود تباينات طفيفة بين الموقفين الأمريكي و«الإسرائيلي» بشأن بعض القضايا.

وقد أشارت التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين المشاركين في الاجتماع وغيرهم من المسؤولين الأمريكيين و«الإسرائيليين» بالذات، إلى أن بولتون جاء إلى الاجتماع وفي جعبته ما يمكن تسميته «صفقة» جوهرها الاستعداد ل«الاعتراف بشرعية» نظام الأسد، وعدم معارضة ترشحه لنفسه لولاية مقبلة، مقابل موافقة روسيا على إخراج القوات الإيرانية والميليشيات الموالية لها من سوريا، وموافقة روسيا على المشاركة في العقوبات الأمريكية على إيران.. ومن ناحية أخرى فإن بولتون أعلن رفض بلاده القاطع للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، أو التسامح إزاء مشاركة الدول الأخرى في إعادة الإعمار ما لم تتم التسوية السياسية النهائية في سوريا.

ويمكن القول مباشرة إن مسألة مشاركة روسيا في العقوبات الأمريكية على إيران هي من قبيل رفع سقف التفاوض من جانب واشنطن، وأنها تعرف جيدا أن موسكو لا يمكن أن توافق عليها.. ومفهوم أن مجرد مشاركة روسيا في الاجتماع الثلاثي تثير ارتيابا شديدا من جانب كل من طهران ودمشق أصلا.. ولذلك كان الكرملين حريصا على محاولة طمأنة الحلفاء الإيرانيين والسوريين بتصريحات من جانب بوتين نفسه وكبار المسؤولين الروس بأن روسيا لا يمكن أن تفرط في حلفائها أو تخونهم أو تقايض مصالحها بالمبادئ.. كما أعلن بوتين نفسه قبيل الاجتماع الثلاثي، وكما أعلن الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف وغيره. ومعروف أن روسيا تؤيد استمرار الاتفاق النووي مع إيران، وتعارض انسحاب أمريكا منه.

أما بخصوص إخراج الوجود الإيراني والميليشيات الموالية له من سوريا، فإن موسكو تربط بين هذا المطلب وبين إخراج كل القوات الأجنبية من سوريا، وخاصة القوات الأمريكية الموجودة دون إذن من دمشق وضد إرادتها «في منطقة شرق الفرات».. وهو الأمر الذي تؤكد عليه موسكو بصفة مستمرة، كما تؤكد أن القوات الإيرانية والميليشيات المرتبطة بها جاءت باستدعاء من دمشق، التي تملك – وحدها – حق إخراجها، وحينما تتم هزيمة الإرهاب بصورة نهائية، هذا هو الموقف الرسمي الروسي المعلن..

أما في واقع الأمر فإن الموقف الروسي الفعلي يختلف كثيرا عن موقف إيران، فموسكو لا تهتم إطلاقا بترسيخ الوجود الإيراني في سوريا، ولا (بممر طهران – بيروت) ولا بمقولات مثل «محور المقاومة» أو «تحرير فلسطين» و«تدمير إسرائيل».. الخ.. والمنطقي أن ترى في تغلغل النفوذ الإيراني في سوريا منافسا محتملا لنفوذها في مستقبل غير بعيد.

لذلك فإنه بالرغم من التحالف القائم بين روسيا وإيران فإن موسكو تنظر للوجود الإيراني والميليشيات الموالية له في سوريا نظرة براجماتية بحتة. فهو ضروري بالنسبة لها بقدر ما يقوم بدور في محاربة «داعش» و«النصرة» وغيرهما من المنظمات الإرهابية.. ولهذا نرى أن القوات الروسية تتغاضى عن الهجمات «الإسرائيلية» المتكررة على المواقع الإيرانية ومواقع حزب الله، ما دامت بعيدة عن خط الجبهة مع المنظمات الإرهابية.

لكن من الصعب للغاية أن توافق روسيا على إبعاد القوات الإيرانية و«الحليفة» طالما ظلت بؤرة إدلب مشتعلة والإرهابيون متمركزون فيها، لأن معنى ذلك إلقاء عبء هذه المعركة على الجيش السوري والقوات الروسية وحدهما، بما يمثل ذلك من استنزاف لهما، وخطر انزلاق موسكو في «مستنقع سوري» لا نهاية له.

كذلك فإن وجود القوات المذكورة في شرق سوريا في مواجهة قوات «قسد» ذات الأغلبية الكردية، وغيرها من المنظمات المناوئة للنظام، وبالطبع القوات الأمريكية والغربية.. هو وجود مفيد لروسيا حاليا.. وقد يكون مفيدا في مواجهة الأطماع التركية في شمال سوريا مستقبلا..

وبالتالي فإن موسكو ليست مهتمة بإنهاء الوجود الإيراني في سوريا بصورة عاجلة، وإن كانت المساومة ممكنة دائما حول كبح جماح هذا الوجود، وعدم خروجه عن السيطرة، وهو ما يعبر عنه المراقبون بأن «روسيا منفتحة على مناقشة الوجود الإيراني والميليشيات الموالية له في سورية».. بمعنى أنها مستعدة لممارسة ضغوط «لضبط» هذا الوجود، ولكن ليس لإنهاء هذا الوجود في الوقت الحالي، طالما أن مشكلات إدلب وشرق الفرات، والأطماع التركية في الشمال السوري لا تزال قائمة بل وملتهبة.

وتشير التصريحات الرسمية وتقارير الإعلام إلى أنه لم يتحقق اختراق في هذه القضية في اجتماع القدس، كما كان الأمريكيون يتوقعون.

“الخليج”

طباعة