aren

«إنجاز» ترامب في سوريا.. فوز لروسيا وخسارة للأكراد..وإرباك لحلفائنا \\ كتابة : توماس فريدمان
الخميس - 31 - أكتوبر - 2019

الرئيس دونالد ترامب يتحدث في القاعة الدبلوماسية للبيت الأبيض – واشنطن ، الأحد ، 27 أكتوبر 2019. (AP )

عشية حرب العراق في 2003، ألقى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير خطاباً على جلسة مشتركة للكونجرس حول مهمة سياسة أميركا الخارجية، فقال: «في جزء صغير من هذا البلد الكبير، هناك في نيفادا أو آيداهو أو تلك المناطق التي لم يسبق لي أن زرتها وكنت دائماً أرغب في الذهاب إليها، هناك رجل يواصل حياته، سعيد بحاله، منشغل بأموره، يقول لكم، أنتم قادة البلاد السياسيون: «لماذا أنا، لماذا نحن، ولماذا أميركا؟ والجواب الوحيد هو: «لأن القدر وضعك في هذه المرحلة من التاريخ، وفي هذه اللحظة من الزمن، وهذه مهمتك وعليك النهوض بها».

بلير ما زال محقاً بشأن الدور الذي وضعه القدر على عاتق أميركا، ولكن بعد مرور سنوات على ذلك الخطاب، من الواضح أيضاً أن الكثير من الأميركيين باتوا منهكين جراء هذا الدور. فبعد نحو أربعة عقود من سياسة خارجية قائمة على «احتواء» الاتحاد السوفييتي، ثم عقدين من سياسة خارجية مبنية حول «التوسيع» – توسيع نطاق الديمقراطية حول العالم من خلال فائض القوة الضخم الذي تمتعت به أميركا بعد فوزها بالحرب الباردة – بات الأميركيون يرغبون في استراحة. والرئيس دونالد ترامب ليس مخطئاً في ذلك.

غير أن مهمة الرئيس هي الموازنة بين رغبة الأميركيين التي يمكن تفهمها في الكف عن تحمل كل الأعباء ومعارضة أي خصم ضماناً لبقاء الحرية، وحقيقة أن المصالح والقيم الأميركية ما زالت تتطلب منا الحفاظ على التزامنا حول العالم بطريقة مستمرة.

ولكن الالتزام المستمر يقتضي منا القيام بثلاثة أشياء على الأقل: التمييز الدقيق بين الأشياء، ودعم الحلفاء، وتوسيع جزر اللياقة. وللأسف، ترامب انتهك كل هذه المبادئ في سوريا.

فأولاً، ترامب والجيش الأميركي لم يميزا بين «داعش» في العراق، و«داعش» في سوريا، وذلك لأن ترامب والبنتاجون كانا قد وضعا محاربة الإرهاب في وضع الطيار الآلي. كيف ذلك؟ لقد كان من المنطقي بعد ظهور تنظيم «داعش» في العراق وسوريا في 2014 أن تأخذ الولايات المتحدة على عاتقها مهمة المساعدة على تدمير «داعش» في العراق. ذلك أن واشنطن كانت تشعر بالذنب لأنها سحبت كل جنودها المقاتلين من العراق قبل أن يتم إرساء الاستقرار فيه حقاً، و«داعش» كان قد قتل صحفيين أميركيين هناك بوحشية. ولكن بدلاً من القيام بذلك كله بأنفسنا، عملنا مع الجيش العراقي ودعمنا قوته وقواته البرية بمستشارينا وقوتنا الجوية.

تلك المقاربة لم تؤد إلى دحر «داعش» في العراق فحسب، وإنما أنتجت أيضاً بعض التأثيرات الإيجابية غير المتوقعة في السياسة العراقية. ذلك أن محاربة «داعش» أصبحت بمثابة «حرب تحرير وطني» بالنسبة للعراقيين، حرب جلبت الشيعة والسنة والأكراد العراقيين المعتدلين معاً ووحّدتهم – ومنحتهم الكرامة التي كان الغزو الأميركي للعراق قد سلبها منهم عن غير قصد. وهذا عبّد الطريق لتقاسم مستديم وأكثر استقراراً للسلطة بين السُنة والأكراد والشيعة في العراق.

غير أننا للأسف أبقينا على محاربة «داعش» في وضع الطيار الآلي. فعندما حُرر العراق، حاولنا إنتاج التأثير نفسه في سوريا باستخدام مقاتلين أكراد سوريين. غير أننا فشلنا في القيام بتمييز مهم. ومثلما قلتُ في مقال في 2017، فإن «داعش» في سوريا كان يشتغل في سياق مختلف كلياً عن سياق اشتغال «داعش» في العراق.

ففي العراق، كان تنظيم «داعش» عدو الديمقراطية متعددة الطوائف. وفي سوريا لم يكن «داعش» وحده عدواً للديمقراطية متعددة الطوائف، بل إن «حزب الله» الشيعي ونظام بشار الأسد العلوي الشيعي أيضاً يعاديها. وكنتُ قد كتبت حينها: (إذا هزمنا داعش في سوريا الآن، فإننا لن نعمل سوى على تخفيف الضغط على الأسد و«حزب الله» وتمكينهما من تكريس كل مواردهم لسحق آخر الثوار المعتدلين في إدلب، وليس تقاسم السلطة معهم). وهذا هو ما حدث عموماً.

فمن خلال تحملنا والأكراد المسؤولية عن هزم «داعش» في سوريا، أرحنا روسيا وإيران و«حزب الله» والأسد من عبء ضخم، ما مكّنهم من سحق خصوم النظام الداخليين. والأمر الجنوني حقاً هو أننا قمنا بكل ذلك بالمجان! ذلك أننا لم نطالب ولو بحكم ذاتي لحلفائنا الأكراد السوريين أو بتقاسم السلطة مع المعارضة السورية من السُنة المعتدلين.

ولكن حتى إن اعتبر المرء أن التخلي عن الأكراد في سوريا كان الشيء الصائب والاستراتيجي الذي ينبغي القيام به، فإن الطريقة التي يفعل بها رئيس الأشياء مهمة. ومن خلال اكتفائنا بالانسحاب من سوريا من دون تخطيط أو تنسيق مسبقين مع حلفائنا – والتخلي عن الأكراد السوريين بعد أن ضحوا بـ11 ألف رجل وامرأة في القتال ضد «داعش» – بعثنا برسالة إلى كل حلفاء أميركا مؤداها: «حري بكم أن تبدأوا في التخطيط للاعتناء بأنفسكم، لأنه إذا قررت قوة ما ملاحقتكم أو التنمر عليكم، فإن أميركا لن تحمي ظهوركم – اللهم إلا إذا دفعتم المال نقداً مقدماً».

ولكن حذار! فمع الوقت، لن ينتج ذلك عالماً أكثر استقراراً أو سياسة خارجية أميركية أرخص. وما يجعل أميركا فريدة كقوة عالمية هو أن وجود حلفاء يتقاسمون معنا مصالحنا وقيمنا – ويقوون قوتنا بكلفة منخفضة بالنسبة لنا.

وفي هذا الصدد، يقول «مايكل ماندلبوم»، مؤلف كتاب «صعود وسقوط السلام على الأرض»: «عندما نسحب دعمنا لحليف في أحد البلدان فجأة – من دون إشعار – فإننا نعرّض للشك مصداقيتنا في كل مكان».

ويضيف «ماندلبوم» قائلاً إن هذه ليست حجة من أجل الإبقاء على الحروب السيئة للأبد مثل حرب فيتنام، وإنما حجة لإنهائها بطرق لا تزعزع ثقة حلفائك: فـ«إذا خلص الألمان واليابانيون إلى أن الضمانات الأمنية الأميركية لم تعد مؤكدة، فإنهم سيطوّرون أسلحة نووية – وهو شيء لا نريده ولا يريدونه».

“الاتحاد” الظبيانية

طباعة