aren

إقالة “الشنب الأكثر شهرة في واشنطن” هل ستدخل تغييرات على السياسة الخارجية الأمريكية؟\\ بقلم : د.ماهر الشريف
الجمعة - 13 - سبتمبر - 2019

 

قالوا عن قرار دونالد ترامب بإقالة جون بولتون: “سيكون هناك صقر أقل في البيت الأبيض”. كما قالوا: “هي نكسة للمحافظين الجدد”.

ماهر الشريف

د. ماهر الشريف

فما حقيقة الأمر، وهل سيكون لهذه الإقالة تبعات على صعيد السياسة الخارجية الأميركية؟

من هو “جون بولتون”؟

هو محام، يعتبر من تيار “المحافظين الجدد”، ولمع اسمه من خلال حضوره المتكرر على منصات قناة “فوكس نيوز” التلفزيونية المحافظة. عمل بالتوالي مع رئيسين جمهوريين، مع رونالد ريغان ( 1981-1989) ومع جورج بوش الأب (1989-993)، وكان شخصية مهمة في إدارة جورج بوش الابن (2001-2009)، الذي عيّنه في ولايته الأولى معاوناً لوزير الخارجية مسؤولاً عن نزع التسلح، ثم عيّنه في سنة 2005 لفترة قصيرة مندوباً لبلاده في هيئة الأمم المتحدة، وكان في سنة 2003 أحد مهندسي غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق، ثم التحق بإدارة دونالد ترامب في آذار 2018 بصفة مستشار شؤون الأمن القومي. وهو معروف بأنه عنيف، ومتكبر، ونصير التدخلات العسكرية الأمريكية، ويعارض بحزم المنظمات المتعددة الأطراف والمعاهدات الدولية.

كان خلال ولايتي الرئيس باراك (أوباما) من أشد منتقدي سياسته الخارجية، وخصوصاً إزاء إيران ، وإزاء الاتفاق الدولي ، الذي أبرم معها بخصوص برنامجها النووي ، ففي آذار 2015، نشر ” جون بولتون” ، مقالاً في صحيفة “نيويورك تايمز”،بعنوان :”لوقف القنبلة الإيرانية يجب قصف إيران”، ورد فيه : “في وسع الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بعمل تدميري مدروس، لكن إسرائيل وحدها يمكنها أن تفعل ما هو ضروري…أما الهدف فهو تغيير النظام في طهران”،كما كان من دعاة قيام الولايات المتحدة الأمريكية، بشن ضربات وقائية ضد كوريا الشمالية لإجبارها على نزع أسلحتها النووية.

مستشار شؤون الأمن القومي: بعد تسلمه منصبه هذا بشهرين، وبناءً على نصائحه، أعلن دونالد ترامب ، في أيار 2018، انسحاب بلاده من الاتفاق الدولي مع إيران وفرض عقوبات جديدة عليها، وذلك في إطار الاستراتيجية التي اتبعتها إدارة ترامب في مجال السياسة الخارجية والتي عُرفت باستراتيجية “الضغوطات القصوى”. هذه الاستراتيجية التي أرادها جون بولتون أن تتخذ شكلاً “حربجياً”، من خلال التدخلات العسكرية، بينما فضّل دونالد ترامب، كما يبدو، أن تتخذ شكل عقوبات اقتصادية ودبلوماسية.

وعليه، حاول جون بولتون خلال أشهر ،إقناع رئيسه بضرورة شن حرب على إيران، وكان في 20 حزيران 2019 من أشد مؤيدي توجيه ضربة عسكرية انتقامية لإيران ، رداً على قيام هذه الأخيرة بإسقاط طائرة مسيّرة أميركية كانت تحلق في أجوائها، وهو ما تراجع عنه ترامب في اللحظات الأخيرة، كما عارض بولتون اللقاءات بين دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي (كيم) جونغ أون ، ومبدأ التفاوض مع كوريا الشمالية مالم تتخلّ بصورة مسبقة عن سلاحها النووي، حتى أن وزارة الخارجية في كوريا الشمالية، صرّحت في ربيع 2018 بمايلي: “لقد تطرقنا في الماضي لشخصية بولتون ولا نخفي واقع أنه يثير اشمئزازنا” ، وسعى، في نيسان 2019، إلى ترتيب انقلاب في فنزويلا، مؤكداً أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة لضمان رحيل الرئيس نيكولاس مادورو”، كما يُعتقد أنه كان، في الشهر نفسه، وراء الهجوم الصاروخي ، الذي شنته القوات الأميركية على سورية.

وفي الأسابيع الأخيرة، عبّر جون بولتون عن استيائه من السياسة “المتحفظة” ، التي تبناها البنتاغون ووزارة الخارجية في منطقة الخليج، وعارض بحزم استعداد الرئيس ترامب للاجتماع بالرئيس روحاني “من دون شروط مسبقة”، كما برز خلاف بينه وبين رئيسه حول الملف الأفغاني والتفاوض مع حركة “طالبان”، إذ عارض فكرة تنظيم قمة في كمب ديفيد حول أفغانستان تجمع دونالد ترامب وعدداً من زعماء “طالبان”، تمهيداً لسحب قسم كبير من القوات الأميركية من هذا البلد، وهو ما تراجع عنه ترامب ، إثر مقتل جندي أميركي في أفغاستان خلال هجوم شنته هذه الحركة.

تعليقات على الإقالة:

قال مارتن (أنديك)، المستشار السابق لبيل كلينتون في مجال السياسة الخارجية، “إن إقالة بولتون تعني أن الرئيس ترامب سيكون مستشار نفسه في مجال السياسة الخارجية”.

أما روبير (ماليه)، رئيس “المجموعة الدولية للأزمات”، فصرّح: “منذ البدء كان هناك صوتان يهمسان في أذنَي دونالد ترامب: الصوت الذي ينصح بانتهاج الدبلوماسية ويحذر من النزاعات، والصوت الذي يدفع نحو المواجهة ويحذر من الظهور بمظهر الضعف…ومع رحيل بولتون، فقد الصوت الثاني المحامي الرئيسي عنه، وربما يخلق هذا فرصاً دبلوماسية جديدة بشأن إيران، وأفغانستان، وكوريا الشمالية وفنزويلا. نأمل أن ينتهزها الرئيس”.

بينما قال مايك (بومبيو)، وزير الخارجية، في مؤتمر صحفي عقده بعد إقالة بولتون: “لا يعني رحيل أحدنا أن السياسة الخارجية [للرئيس ترامب] من المفترض أن تتغير”.

تحليلات المراقبين:

يرى بعض المحللين أن استراتيجة “الضغوطات القصوى”، التي تتبعها إدارة ترامب منذ وصولها إلى البيت الأبيض، والتي تعني ممارسة أقصى أشكال الضغط من أجل جر الخصم إلى طاولة التفاوض، لم تحقق أي انتصار واضح.

فاللقاءات المثيرة بين ترامب وكيم جونغ أون لم تفضِ إلى تحقيق تقدم في الملف النووي لكوريا الشمالية، كما لم تفلح جميع العقوبات القاسية التي فرضت على إيران في تغيير موقف قادتها، بينما اضطر ترامب إلى وقف المفاوضات مع حركة “طالبان”، وظل الرئيس مادورو صامداً في الحكم في فنزويلا.

الصحافة الأميركية، كصحيفة “نيويورك تايمز”، رأت أن إقالة جون بولتون لن تضع، على الأغلب، حداً لـ “الفوضى” السائدة في البيت الأبيض بمجال السياسة الخارجية ، وربطت هذه الصحيفة ” بين إقالة بولتون وانطلاق حملة ترامب لانتخابات 2020 الرئاسية، معتبرة أن الرئيس الأميركي، الذي يعاني من ضغط الوقت، يريد الظهور بمظهر أكثر “اعتدالاً” في سياسته الخارجية، ومتوقعة أن “يعود للتفاوض مع طالبان”، ويقبل “تراجعاً تدريجياً لقدرات كوريا الشمالية النووية” بدلاً من نزع كامل لأسلحتها النووية بصورة فورية وكاملة، ويرضى “بتخفيف حملة الضغوطات القصوى على إيران”.

بينما رأت الطبعة الأميركية من “الغارديان”: “أن المستشار الجديد للأمن القومي قد يدفع ربما في اتجاه أكثر دبلوماسية، لكنه –هو أو هي- عليه التعامل مع ترامب [بوصفه رئيساً] يفعل ما يشاء. وستبقى السياسة الخارجية الأميركية تتأرجح من حد أقصى إلى آخر”، وأضافت أن ترامب الذي يطمح إلى تجديد ولايته في سنة 2020 يريد أن يحقق مكاسب في مجال السياسة الخارجية، وهو هدف كان وجود بولتون إلى جانبه يشكّل عائقاً أمام تحقيقه”.

بينما قدرت صحيفة “وول ستريت جورنال” المحافظة أن خصوم الولايات المتحدة الأميركية “سيسعدون لاستقالة بولتون الذي كان من القلائل الذين كانوا يتصدون لغرائز وتقلبات دونالد ترامب السيئة، بحيث سيكون العالم اعتباراً من الآن أكثر خطورة”.

وماذا عن علاقاته بإسرائيل؟

يحظى جون بولتون بشعبية كبيرة،لدى حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل التي ضغطت على الإدارة الأميركية للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وتشديد العقوبات المفروضة عليها. ففي 23 آذار 2018، رحب وزراء إسرائيليون كثيرون في حكومة بنيامين نتنياهو بتعيين “الصديق” جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، وقالت وزيرة العدل في حينه ألييت شاكيد في تصريح للصحافة: “يتابع الرئيس ترامب تعيين أصدقاء حقيقيين لإسرائيل في مناصب رفيعة.

إن جون بولتون هو واحد من أبرزهم” ، وأضافت: “إن إدارة ترامب تظهر بوصفها الصديقة الأكبر التي لم تعرف إسرائيل مثلها أبداً”. أما وزير التعليم آنذاك نفتالي بينت فوصف بولتون بأنه “الصديق الوفي لإسرائيل”، بينما قال وزير البيئة زيف إلكين: “لا شك أن بولتون صديق لإسرائيل منذ سنوات، وهو ما أظهره لدى تقلده منصب السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة “.

في مقال نشره في 22 آذار 2018 عن “التاريخ المجهول لحملة جون بولتون لشن حرب على إيران”، يذكر المؤرخ والصحافي الأميركي غاريث (بورتر)، أن جون بولتون استغل علاقاته مع الملياردير شلدون (آدلسون)، الذي يقف خلف بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، كي يقتع ترامب بالتخلي عن الاتفاق النووي الدولي مع إيران، وأن بولتون عندما كان معاوناً لوزير الخارجية لشؤون نزع التسلح في عهد الرئيس جورج بوش الابن انتهج سياسة تبرر القيام بهجوم أميركي على إيران، وكان بمثابة صلة الاتصال الرئيسية بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، وأنه بدعم من نائب الرئيس ديك (تشيني)، قام بعدة رحلات إلى إسرائيل ما بين 2003 و 2004 من دون الحصول على تصريح من مكتب شؤون الشرق الأوسط التابع للخارجية الأميركية، وبينما كان وزير الخارجية -آنذاك- كولن (باول)، يعلن أن إدارته لا تنوي مهاجمة إيران، كان بولتون يعمل مع الإسرائيليين على وضع ترتيبات مثل هذا الهجوم.

وكان جون بولتون قد أشار في سنة 2014 إلى أن “حل الدولتين قد مات ، أو لم يعد قابلاً للحياة”، معتبراً “أن المطالبة بدولة فلسطينية هو ما يطرحه أعداء إسرائيل لإضعاف ومحاصرة الدولة اليهودية”، داعياً في المقابل إلى حل للصراع يقوم على “ثلاث دول”، بحيث تكون الضفة الغربية مرتبطة بالأردن وتكون غزة مرتبطة بمصر. كما صرّح في مطلع سنة 2018 :”إن فلسطين ليست دولة، فهي لا تسيطر على حدود ولا تمتلك مؤسسات في مقدورها تسيير شؤون دولة. وهناك أسباب أخرى لعدم اعتبارها دولة”.

ويتخوف حكام إسرائيل من أن تكون إقالة جون بولتون، مؤشراً على انتهاج إدارة دونالد ترامب سياسة “أكثر ليونة” إزاء إيران، إذ اعتبرت صحيفة هآرتس في عددها الصادر في 11 أيلول 2019 أن إقالة بولتون “قد تشير على الأرجح إلى تحول في استراتيجية الإدارة الأميركية نحو توجه أكثر ليونة حيال طهران”. كما يتخوفون

من حدوث اجتماع بين الرئيس ترامب والرئيس روحاني، معتبرين أن الاجتماعات بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي توالت بينما واصلت كوريا الشمالية تجاربها النووية والصاروخية. لكن هناك في المقابل في إسرائيل من يقدّر أن نهج إدارة ترامب إزاء إسرائيل لن يتغيّر وأن مايك بومبيو وجاريد كوشنير، مثلاً، هما من أنصار إسرائيل الأشداء كما هو جون بولتون.

وكان هذا الأخير قد لقي “وداعاً مؤثراً” من “الائتلاف اليهودي الجمهوري” في الولايات المتحدة الأميركية، الذي صرّح مديره التنفيذي (مات) بروكس ، بمايلي : “شكراً لصداقتك القديمة [جون]، ولصفائك الأخلاقي ودفاعك الحماسي عن أميركا وعن حلفائنا، وبوجه خاص عن إسرائيل”.

المصادر

https://www.lemonde.fr/…/pour-la-presse-americaine-le-depar…

http://www.lefigaro.fr/…/avec-le-depart-de-john-bolton-la-d…

https://www.courrierinternational.com/…/opinion-apres-le-de…

https://www.rtbf.be/…/detail_depart-de-john-bolton-le-va-t-…

https://www.lejdd.fr/…/le-depart-de-john-bolton-va-t-il-fai…

https://www.contrepoints.org/…/353340-donald-trump-limoge-j…

https://fr.timesofisrael.com/que-signifie-le-depart-de-joh…/

https://www.les-crises.fr/lhistoire-meconnue-de-la-campagn…/

طباعة