aren

إسلاميو تركيا والديمقراطية\\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 13 - أبريل - 2019

بمعزل عما ستنتهي إليه النتائج الرسمية للانتخابات البلدية في تركيا، فإنها لم تحمل فقط هزيمة قاسية لحزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى، ولا سيما في إسطنبول وأنقرة وأنطاليا وأضنة وديار بكر، بل حملت الكثير من الدلالات المتصلة بعمل الديمقراطية في تركيا، وبعلاقة الإسلام السياسي تحديداً، بقبول مبدأ التعددية الحزبية وتداول السلطة.

لقد جاء «حزب الرفاه» إلى رأس السلطة في العام 1996 بقيادة نجم الدين أربكان. وكانت العين شاخصة على ما يمكن أن يقوم به كأول رئيس حكومة بخلفية إسلامية واضحة في تركيا. ومع ذلك فإنه غادر السلطة بعد سنة في نهاية حزيران/يونيو 1997 سلماً، وإن تحت الضغط. لكن ما شاب تجربة أربكان أنه لم يكن بمفرده في الحكومة، بل كان بالشراكة مع «حزب الطريق المستقيم» بزعامة طانسو تشيللر، ولم يكن بالتالي يتوجب تحميله تبعات تلك التجربة بمفرده، وهذه نقطة مهمة.

في العام 2002 اختلفت التجربة مع وصول «حزب العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان، وريث قاعدة حزب الرفاه، إلى السلطة، ولكن بمفرده هذه المرة. النظام الانتخابي أعطى أردوغان فرصة السيطرة على ثلثي مقاعد البرلمان، رغم أنه نال 34 في المئة من الأصوات فقط. ولأن هذا النظام الانتخابي كان يناسب حزب العدالة والتنمية، فقد امتنع حتى الآن عن تغييره، رغم أنه ليس عادلاً ولا يتيح للحزب الذي لم يتجاوز عتبة العشرة في المئة الدخول إلى الندوة النيابية.

في كل الانتخابات اللاحقة النيابية والرئاسية والبلدية، كان حزب العدالة والتنمية يفوز بها ولا يبدي أدنى انزعاج. لكن الحزب تعرض في مناسبتين للهزيمة، وكانتا كافيتين لإظهار الوجه الحقيقي لمدى تقبله من عدمه للعملية الديمقراطية ممارسة أو نتيجة.

في الانتخابات النيابية في حزيران/يونيو 2015، انهزم حزب العدالة والتنمية، ولم ينل الغالبية المطلقة في البرلمان، وكان يحتاج إلى 18 مقعداً بالتمام. وكان يفترض أن يكلف رئيس الجمهورية حينها رجب طيب أردوغان، رئيس الحزب الأكبر، وهو حزب العدالة والتنمية نفسه، وكان أحمد داود أوغلو، بمحاولة تشكيل الحكومة. وبالفعل حصل ذلك، لكن أوغلو فشل في التشكيل. حينها كان الدستور والأعراف تقضي بتكليف رئيس الحزب الثاني الفائز، أي كمال كيليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري بالمحاولة، لكن أردوغان انقلب على الدستور وقرر تشكيل حكومة انتخابات، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، حارماً كيليتشدار أوغلو من مجرد محاولة تشكيل حكومة جديدة، ربما ينجح في تأليفها، وربما يفشل.

رفض أردوغان الاعتراف بنتائج الانتخابات، ولم يكتف بذلك، بل خاض حملة انتخابية دموية مورست خلالها كل أنواع الضغط والقتل تجاه المعارضة، ولا سيما «حزب السلام والديمقراطية» الكردي الذي كان سبباً أساسياً في هزيمة حزب العدالة والتنمية بفضل تمكنه من تجاوز عتبة العشرة في المئة، وبالتالي الدخول إلى البرلمان حائلاً دون أن يسطو العدالة والتنمية على مقاعده فيما لو ينال العشرة في المئة.

نجحت خطة أردوغان، وعاد حزبه بالأغلبية المطلقة. اليوم يتكرر المشهد، وربما السيناريو ذاته في الانتخابات البلدية. يرفض حزب العدالة والتنمية التسليم بنتائج الانتخابات وخسارة أبرز معقلين له في أنقرة وإسطنبول. فيمارس كل أنواع الضغط على اللجنة العليا للانتخابات، تارة لعدّ الأصوات الملغاة، وتارة لإعادة عدّ كل الأصوات من جديد، وربما العمل لاحقاً على طلب إلغاء انتخابات إسطنبول وأنقرة، وحيثما خسر، وإعادتها.

الآن أيضاً لم يكتف حزب العدالة والتنمية برفض نتائج الانتخابات البلدية بمحاولة إعادتها والتشويش على انتصار حزب الشعب الجمهوري فيها، بل إنه كان قد مارس كل أنواع الضغوط خلال الحملة الانتخابية لمنع فوز المعارضة. فسخّر كل إمكانات الدولة لخدمة مرشحيه، وأطلق أردوغان شخصياً خطاباً متطرفاً تخوينياً وتهديدياً وتخويفياً، ونزل بكل ثقله إلى الساحة، في معركة غير متكافئة البتة، مع مرشحي المعارضة. ومع ذلك خسر الانتخابات في المدن الكبرى.

يعرف حزب العدالة والتنمية أن خسارة إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبرى هي بداية النهاية لسلطته، خصوصاً في ظل خواء الحزب من الزعامات والأسماء الوازنة، بعدما أقصاهم أردوغان الواحد بعد الآخر. وخشية أردوغان أيضاً هي من الحجم الهائل لعمليات الفساد والمنافع التي حصلت في مدينتي أنقرة وإسطنبول على مدى 25 سنة، وتكشف زيف خطاب الاستقامة للحزب.

الرسالة الأهم من الانتخابات البلدية الأخيرة (ومن انتخابات حزيران/يونيو 2015) أن الإسلام السياسي في تركيا والذي يمثله حزب العدالة والتنمية لا يؤمن بالعملية الديمقراطية. فهو يُبقي عليها ويشيد بها عندما تناسبه، وينقضّ عليها ويرفض القبول بنتائجها عندما تتعارض مع أهدافه. فهل لنا أن نتصور كيف سيتعاطى أردوغان وحزبه وشركاؤه فيما لو خسر الانتخابات الرئاسية؟ تركيا لا تستحق حرباً أهلية تمزقها. لكن تجربة الإسلام السياسي في تركيا لا تشجع على التفاؤل بإمكانية انتقال هادئ وسلمي في ما لو خسر إسلاميو حزب العدالة والتنمية السلطة. فهو لم يقبل بنتائج مدينة مثل إسطنبول، فكيف بخسارة كل تركيا؟

“الخليج”

طباعة