aren

«إسرائيل».. استيطان بلا حدود في الجولان \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 11 - أبريل - 2019

355

في حمى التصارع العربي الداخلي، واستمرار تدفق شلال الدماء، وانعدام آفاق الحلول المنصفة، يواصل الاحتلال تجيير الأحداث لمصلحته. وبعد أن أعلنت وزارة الإسكان «الإسرائيلية» عن خطة استيطان توسعية في هضبة الجولان السورية المحتلة، شدد رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو في حملته الانتخابية على أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة «الإسرائيلية» على الجولان ليست نهاية المطاف. وقال: إن على الجميع انتظار الموقف الأمريكي من السيادة أيضاً على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.

بعد أن كان الاستيطان موضع إدانة عالمية غير مسبوق صار بفضل «الكرم» الأمريكي ورقة رابحة لأحزاب اليمين في المعركة الانتخابية الدائرة حالياً في الكيان.

ولم يكن الاحتلال قبل الاعتراف الأمريكي بسيادته على الجولان يجرؤ على إعلان خطط استيطان بعيدة المدى في الجولان. فقد ظل الموقف الأمريكي، حتى وقت قريب، يعترف بأن الجولان سورية، ويجب أن تعود في مفاوضات مع الدولة. غير أن استمرار الحرب الأهلية السورية، وانشغال الدول العربية بهمومها الداخلية؛ وفر فرصة لليمين «الإسرائيلي» للتخلي عن فكرة التفاوض؛ من أجل السلام مع سوريا، واللجوء إلى تسويغ الاحتلال وشرعنته.

وكان رئيس الكيان رؤوفين ريفلين أعلن أثناء الاحتفالات بالذكرى الخمسين للاستيطان في الهضبة، أن «على العالم الاعتراف بأن الجولان جزء لا يتجزأ من دولة «إسرائيل»، وأنها ضرورية لوجودنا كشعب». وحاجج بأنه «لن نُبقي أبداً سكان الجليل معرضين لأسلحة النظام الذي يذبح شعبه». كما أن وزير التعليم نفتالي بينت عمل في السنوات الماضية على تعزيز الولاء لفكرة الاستيطان في الجولان، وفي الضفة الغربية؛ عبر منح «أبو المستوطنين» في الجولان، يهودا هارئيل، «جائزة «إسرائيل» في الذكرة السبعين لإنشاء الكيان.

وتسابق وزراء حكومة نتنياهو، من كل أحزاب الائتلاف، على الاستفادة من الزخم الذي ولده الاعتراف الأمريكي بالسيادة «الإسرائيلية» على هضبة الجولان. ودعا وزير الشؤون الاستراتيجية، «الإسرائيلي» كاتس لبلورة خطة سريعة لإسكان مئة ألف مستوطن في هضبة الجولان خلال السنوات القليلة المقبلة. وقال في مقابلة إذاعية،: إن «علينا استغلال التغيير في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه النظام السوري وحلفائه؛ وذلك من خلال تشجيع الاستيطان بالجولان بجذب واستقدام 100 ألف «إسرائيلي»، وتكثيف الاستيطان فيه». كما أعلنت وزارة الإسكان التي يديرها حزب «كلنا» برئاسة وزير المالية موشي كحلون عن خطة تمتد للعام 2048 لإسكان ربع مليون مستوطن هناك. وتباهت حكومة نتنياهو بأنها رفعت شعار «استيطان بلا حدود» في كل من هضبة الجولان والضفة الغربية المحتلتين.

وكانت ذروة تباهي نتنياهو بما أنجز مع إدارة ترامب؛ إعلانه في مقابلة مع صحيفة «إسرائيل» مؤخراً، أنه ينتظر الحصول من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته المقبلة على اعتراف بسيادة الاحتلال على الأراضي المحتلة في الضفة الغربية. وشدد على أنه أوضح للأمريكيين، في كل ما يتصل ب«صفقة القرن» عدم استعداده لإخلاء أي مستوطن، ووجوب بقاء كل المستوطنات في الكتل الاستيطانية وخارجها تحت السيادة «الإسرائيلية».

وكان التبرير الدائم لذلك أمني الطابع؛ رغم استمرار الادعاء بأن الجولان قبل اتفاقات «سايكس- بيكو» هي جزء من فلسطين، والزعم بأن لليهود تاريخ فيها. وحاولت حكومة نتنياهو التمهيد لخطط الاستيطان الواسع في الجولان؛ بتكثيف عمليات إزالة الألغام هناك، بقصد تسهيل التحرك فيها للسياحة والاستيطان.

وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن خطة تكثيف الاستيطان في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وتشجيع اليهود على السكن والاستثمار هناك. وأفادت وسائل الإعلام «الإسرائيلية»، أن الخطة صاغتها وأعدتها وزارة الإسكان، بالتعاون مع المجلس الإقليمي الاستيطاني «جولان»، ومجلس مستوطنة «كتسرين» وحركة «أور». وتشمل الخطة بناء 30000 وحدة استيطانية في مستوطنة «كتسرين»، وإنشاء مستوطنتين جديدتين في الجولان، وكذلك توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية المتعلقة بالمواصلات والسياحة، وربط الجولان بشبكة المواصلات داخل فلسطين المغتصبة. وتهدف الخطة إلى تنمية المشاريع السياحية، وتشجيع السياحة، والعمل على إخلاء 80 ألف دونم من حقول الألغام، وتجهيز مسطحات الأراضي لمشاريع التطوير والبناء السياحي والتجاري والإسكاني.

ولا بد من الإشارة إلى أن مبررات الاستيطان في الجولان ظلت على الدوام مختلفة عن مبررات الاستيطان في الضفة الغربية. ورغم كثرة الادعاءات الأيديولوجية والدينية والتاريخية إلا أن دوافع الاستيطان في الجولان ظلت أمنية اقتصادية. وليس صدفة أن الاستيطان في الجولان بقي حتى الآن قاصراً على المستوطنين من أصحاب النظرة الاشتراكية كالكيبوتسات، والقليل جداً من المستوطنين المتدينين. ويعود سبب ذلك إلى ما أشيع في سنوات ما قبل يونيو/حزيران 1967 من معاناة للمستوطنين قرب بحيرة طبريا؛ جرّاء العمليات الفدائية الفلسطينية والسورية هناك. وتختلف الهضبة عن الضفة الغربية من الناحية الاستيطانية؛ كونها بعيدة عن المراكز السكانية اليهودية في وسط فلسطين، وخصوصاً القدس و«تل أبيب»، ما يجعلها أقل جذباً للاستيطان. وتكفي إشارة واحدة إلى أن عديد المستوطنين في الجولان بعد خمسين عاماً على الاستيطان هناك لم يزد على عشرين ألفاً.

ويجري حالياً تسويق الجولان استيطانياً على أنها منطقة سياحية واقتصادية مربحة جداً. ففي الجولان الكثير من مصادر المياه الجوفية والسطحية، ما يسهل الزراعة، إضافة إلى الأجواء المناسبة والجمال الطبيعي الساحر. ويمكن للجولان وفق التسويق الجديد أن تغدو المنطقة السياحية الأفضل؛ إذا ما تعزز الاستثمار فيها؛ لاحتواء الهضبة على الجبال العالية والوديان العميقة وإطلالتها شرقاً نحو سوريا، وجنوباً نحو الأردن، وغرباً نحو لبنان والساحل الفلسطيني.

ومعروف أنه يزور الجولان حالياً ثلاثة ملايين سائح داخلي سنوياً، وتعد خطط لزيادة هذا العدد إلى خمسة ملايين سنوياً. وقد أضيفت لكل الاعتبارات السابقة عمليات التنقيب عن النفط في عشرة مواقع على الأقل، والتي أظهرت أن الجولان يحتوي على مخزون نفطي قد يكفي لسد حاجات الدولة العبرية لسنوات طويلة مقبلة.

وتباهى نتنياهو في اجتماعات حكومته بأن هضبة الجولان لن تعود موضوعاً للنقاش في أي مفاوضات للسلام مع الدولة السورية. وسعت حكومة نتنياهو إلى إعلان المزيد من المشاريع الاستيطانية والاستثمارية في الهضبة المحتلة ضمن سعيها لزرع الانطباع بأنها ليست موضع مفاوضات في أي تسوية مقبلة؛ بل طالبت هذه الحكومة الأمريكيين والروس باعتبار الجولان جزءاً من الدولة العبرية في أي مفاوضات لتسوية الأزمة السورية ذاتها.

ورغم أن الأسرة الدولية ممثلة بالأمم المتحدة، ترفض الاعتراف بالإجراءات «الإسرائيلية»، ولا تزال تقر بأن الهضبة السورية محتلة؛ فإن الكثير يعتمد على الموقف العربي، ومدى إصراره على المحافظة على الحق العربي في الجولان، وباقي الأراضي المحتلة.

“الخليج”

طباعة