aren

“أميرة” ولدت في “دمشق” \\ بقلم : سامي مروان مبيّض
الأربعاء - 13 - مايو - 2020

yhuj

توفيت في لندن منذ يومين ، الأميرة “بديعة بنت علي”، حفيدة الشريف حسين، التي ولدت في دمشق بتاريخ 20 آذار عام 1920، أي بعد اسبوعين فقط من تولي عمّها ، الأمير فيصل بن الحسين ، العرش في سورية. توفيت عن عمر ناهز 100 عام في الذكرى المئوية لاستقلال سورية الأول.

تواصلت معها قبل حوالي عشرين سنة ، عندما كنت طالباً جامعياً، وحدثتني يومها عن أسرتها وعلاقتهم بدمشق. فهي حفيدة ملك ،وبنت ملك ،وشقيقة ملكة، وأعمامها فيصل وعبد الله ،كانوا ملوكاً في سورية والأردن. أما شقيقها الأمير عبد الإله، فكان وصياً على عرش العراق.

عرفتني الأميرة من لهجتي الدمشقية قائلة : “أنت من االشام؟”

“نعم…”

“منين من الشام؟”

“من حيّ الصالحية.”

“منين من الصالحية؟”

“من حارة حمام المقدم…”

“سقا الله الشام وأيام الشام، كانت هذه المدينة العظيمة غالية جداً على قلب عمّي.”

قالت الأميرة يومها ، ان جدتها الأرمنية، زوجة الشريف حسين، حَلمت ذات يوم ، أن أحد أبنائها قد وليّ ملكاً على الشام، وفرحت كثيراً عند تحقق الحلم سنة 1920.وقد ظلّت دمشق حاضرة في خاطر عمّها بعد خلعه عن العرش،إثر معركة “ميسلون” الشهيرة، وحاول العودة إليها مراراً ، ولكن الظروف الدولية لم تسمح بذلك.

وقد ظلّ يذكر دمشق بالخير طوال حياته، نظراً للحفاوة البالغة التي استقبله بها أهل الشام، فلم يعارضوه قط، ولم يرفضوا له طلب طوال فترة حكمه القصير، عكس العراقيين الذين (وليّ) عليهم بعد مدة.

دمشق ، أدخلت الملك فيصل إلى عالم السياسة الحقيقي، بمناوراته وخفاياه، وكان لها الفضل في توسيع أفقه المعرفية. دخلها مدينة متعبة ومنكوبة سنة 1918، تصارع الموت وتعاني الأمرين من ويلات الحرب العالمية الأولى. ولكنه وجد فيها ، مجتمعا مُتمدنا وحضاريا للغاية، فيه مدارس حديثة ومعاهد للطب والحقوق، إضافة إلى مسارح ونوادي وصحف يومية ، وأسواق عريقة.

وصل دمشق قادماً من الصحراء العربية، فرأى في بساتينها أشجار مثمرة وفي أزقتها أعمدة كهرباء تُنير الطرقات،ووسائل نقل عام (الترامواي) ، تُقل الناس إلى عملهم في الصباح، إضافة إلى نظام صرف صحي وسيارات حديثة في الشوارع ، يقودها رجال بمنتهى الأناقة، يشبهون باشاوات اسطنبول والقاهرة.

كانت المياه وفيرة جداً في بيوت الدمشقيين، ترقص في بحراتهم المصنوعة من حجر في زمن كان العرب يتصارعون عليها لندرتها في الصحراء. وكانت غوطة دمشق ما زالت في قمّتها، توفر منتزه ربيعي لفيصل وأسرته مع فاكهة لم يعرف مثلها من قبل . في دمشق ، ذاق (فيصل) طعم الجانرك والتفاح السكري والدراق والمشمش، وحضر أول مسرحية في حياته، في صالة زهرة دمشق بساحة المرجة. وعندما تجول في حارات الشام ماشياً على الأقدام ، قاصداً الجامع الأموي، أدهشته كمية الورود المتناثرة على الأرض ، والقادمة من داخل البيوت. كان فيصل قد سمع الكثير عن الجنة ، ووجدها أخيراً في دمشق.

بعد أيام معدودة ، وصل وفد من سيدات دمشق إلى قصره في المهاجرين للقاء زوجته الأميرة “حزيمة بنت ناصر”، تقودهم السيدة زهراء اليوسف، شقيقة أمير الحج الدمشقي ، و(كنّة) أحمد عزت باشا العابد . لم تنحني زهراء “خانم” أمام زوجة الأمير ، كما كانت تفعل نساء اسطنبول في حضرة زوجات السلاطين، ولم تتعامل معها على انها امرأة حاكمة، فلم يكن الدمشقيون يعرفون أي ملكة في تاريخهم الحديث.

كل نساء الولاة العثمانيين، كانوا غائبين تماماً عن أي ظهور، لا يخرجن من قصورهن بتاتاً، وتوقعت حزيمة أن يسري عليها ما سرى على أسلافها من السيدات. تفاجأت بلباس ضيفاتها، فجميعهن كن سافرات، عَلماً أنها استقبلتهم بغطاء الرأس التقليدي الذي كانت ترتديه في منزل عمّها في مكة، ظناً أنه فرض عين في مدينة عُرفت بقداستها ، ولقبت بشام “شريف” أيام الحكم التركي.

تبين لها أن جميع هؤلاء السيدات ، كن متعلمات، يجدن القراءة والكتابة، وبعضهن يتقن الفرنسية، وأن لهن حياتهم الاجتماعية الخاصة في الأندية والجمعيات، لا تتعارض مع واجباتهن المنزلية والعائلية. حدثوها عن أنفسهم وعن عائلاتهن وعن مدينتهن، وفتحن لها أبواب بيوتهن وتعاملن مع أسرتها برفق شديد كون أن إحدى بناتها كانت معوقة، تعاني من شلل كامل ناتج عن سقوطها من يد إحدى الخادمات وهي رضيعة. جئن بأمهر أطباء الشام لمعاينتها، خريجي اسطنبول وباريس ودمشق. أدخلوها على عالم “استقبالات النسوان” الذي كان يُعرف به المجتمع النسائي الدمشقي، حيث يحدد فيه يوم واحد في الشهر لاستقبال الضيوف من السيدات “حصراً”.

كما علموها على أسرار مطبخهن الشامي، الذي لم يكن أهل الحجاز ، يعرفون مثله أبداً، فيه أطباق غريبة عجيبة ، كالتبولة مثلاً والمكدوس اليلنجي ، والفتات بكافة أنواعها، وعلموها على لعبة “البريدج” و”البرجيس” وعلى “سيكارة الخانم” الرفيعة ، والمخصصة للنساء، التي كان يُنتجها الصناعي “عثمان الشرباتي”.

رحلت الأمير بديعة ، وظلّت هذه الصور الملونة حاضرة في ذاكرتها حتى النهاية، عن مدينة جميلة وأنيقة ، كانت قبلةً لجميع العرب، يطيب بها العيش لأهلها ، وكل من مرّ بها قاصداً الأمان أو العلم أو الرزق …، أو الحكم.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها