aren

أكراد سوريا والدروس المنسية \\ كتابة : رخا أحمد حسن
الأحد - 10 - نوفمبر - 2019

اكراد سوريا خلال الاحتفالات بعيد النوروز

اكراد سوريا خلال الاحتفالات بعيد “النوروز” او “النيروز”

 

 

يمثل أكراد سوريا جزءا من الشعب السورى والدولة السورية من ناحية، وجزءا من الأكراد الموزعين فى منطقة جغرافية متجاورة على حدود أربع دول هى سوريا وتركيا والعراق وإيران. وقد اختلفت درجات اندماجهم فى كل من هذه الدول بدرجات متفاوتة خاصة من جانب معاملة سلطات كل دولة وشعبها من ناحية، وتطلعات الأكراد فى كل منها من ناحية أخرى ومدى قبولهم للاندماج أو تباعدهم عنه والتمسك بأنهم لهم خصوصيتهم المختلفة عن كل من شعوب هذه الدول، ومن ثم مدى قوة اتجاههم نحو الحصول على حكم ذاتى ضيق أو موسع، أو الاستقلال، أو تبنى فكرة أكبر وأشمل تتطلع نحو اتخاذ مسار يتجه حديثا نحو إقامة دولة موحدة تجمع كل أكراد الدول الأربع فى دولة كردية شأن الأرمن وغيرهم من القوميات التى استقلت عن الاتحاد السوفيتى.

وقد اتخذ أكراد العراق مسارا نحو الاستقلال منذ الغزو الأمريكى للعراق فى مارس 2003 وبدأوا بتدعيم نظام حكم ذاتى موسع يتمتع بصلاحيات واسعة فى علاقاته مع المركز فى بغداد، وقد ساعد على ذلك عدة اعتبارات منها دستور العراق الذى أشرف على صياغته وإصداره بول بريمر الذى كان يمثل الحاكم الفعلى للعراق، وكرس فى هذا الدستور نظام المحاصصة بين السنة العرب والشيعة والأكراد ـ رغم أن الأكراد سنةــ وتوزعت المناصب العليا بحيث يكون رئيس الجمهورية من الأكراد،ورئيس الوزراء من الشيعة،ورئيس البرلمان من السنة، واستخدام اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. والاعتبار الثانى الضعف العام للسلطة المركزية فى بغداد خاصة على مستوى مجلس الوزراء والبرلمان، والاعتبار الثالث توافر قوة خاصة فى إقليم كردستان العراق هى قوة البيشمركة الكردية والتى هى بمثابة جيش خاص بالإقليم وفرت له الحماية من الاضطرابات والأعمال الإرهابية، وواجهت بشراسة اعتداءات داعش وإن كانت لم تستطع حماية الأيزيديين ــ وهم طائفة عقائدية تتبع عقيدة اجتماعية قديمة وينحدرون من أصول كردية والاعتبار الرابع هو التشجيع الأمريكى للاتجاه الاستقلالى لدى أكراد العراق إلى جانب تعاون قوى إقليمية ودولية.

كل هذه العوامل دفعت أكراد العراق إلى الإعلان فى يونيو 2016 عن إجراء استفتاء فى 25 سبتمبر 2016 فى إقليمهم بشأن الاستقلال عن العراق. وقد نبهتهم، بل وحذرتهم كثير من الدول والشخصيات العامة والسلطة العراقية المركزية فى بغداد من أن هذا الاستفتاء سيلحق بهم أضرارا كبيرة ويجعلهم يخسرون الكثير من المكاسب التى حققوها فى إطار الحكم الذاتى الذى يتمتعون به والذى وصل إلى درجة أقرب للدولة منه للحكم الذاتى، ذلك لأن الدول الأربع وهى العراق وتركيا وإيران وسوريا يرفضون هذا الاستقلال لانتقال عدواه إلى الدول الأخرى وإحداث خلخلة إقليمية فى وقت تسود فيه الأزمات والحروب والصراعات، خاصة العراق الذى ما زال يعانى من تبعات الغزو الأمريكى وحالة الانقسام التى تسود الدولة. وحذرت هذه الدول من أنها فى حال إعلان استقلال أكراد العراق ستحشد قوات من الجهات الأربع لمحاصرتهم وإجهاض هذه المحاولة التى لا ولن تقبلها أى دولة منهم.

ولكن أكراد العراق أصروا على إجراء الاستفتاء وإعلان الاستقلال، وكانت النتيجة إجهاضه وتخفيض مستوى الحكم الذاتى الذى توسعوا فيه إلى أدنى مستوى ممكن، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه ولكن وفق ما يرضى عنه ويقبله الآخرون.

وإذا نظرنا إلى أكراد سوريا سنجد أنهم أفضل حالا بكثير من الأكراد فى العراق وتركيا وإيران حيث كانت تحرص الحكومة المركزية فى دمشق على دمج كل الأقليات باعتبارهم مكونا من الشعب السورى عليهم نفس الواجبات ولهم نفس الحقوق ماعدا بعض الاختلاف فى الجوانب السياسية بحكم تركيبة السلطة الحاكمة فى مراحل معينة ومتطلبات محافظتها على وضعها.

ومنذ اندلاع الأزمة السورية فى مارس 2011 قام أكراد سوريا بدور مهم للغاية فى التصدى للمنظمات والجماعات المسلحة وخاصة تنظيم داعش وتكبدوا خسائر بشرية تقدر بأحد عشر ألف شخص إلى جانب الخسائر المادية، وكان ذلك عاملا أساسيا فى الحد من وجود داعش والتنظيمات الإرهابية فى المناطق التى فيها أغلبية من الأكراد فى شمال سوريا.

ولكن أمريكا التقطت هذا الوضع وأدخلت بعض قواتها فى شمال سوريا وأعلنت أنها تدعم القوات السورية الديمقراطية (قسد) وهى قوات الأكراد السوريين وراحت تدربهم وتمدهم بالأسلحة والمعدات، ويقدر عدد الأفراد الذين دربتهم القوات الأمريكية سواء من الأكراد أو من السوريين الآخرين المنشقين عن النظام بنحو 30 ألف شخص. وقد شجع الدعم الأمريكى مع الطموحات العرقية أكراد سوريا على إعلانهم عن صياغة دستور فيدرالى يعطى إقليمهم حكما ذاتيا له سلطاته الخاصة من برلمان وحكومة إقليمية إلى جانب قواتهم المسلحة وهى القوات السورية الديمقراطية. وانطلقوا فى تقديم مقترحاتهم ونواياهم إلى المجتمع الدولى وبعض القوى الإقليمية.

وقد أدى ذلك إلى تغير فى موقف نظام الحكم السورى من أكراد سوريا، بعد أن كان يقدر لهم تصديهم للتنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية ويرى فى ذلك موقفا وطنيا فى الدفاع عن سلامة ووحدة الأراضى السورية، وبدأت دمشق تبدى اعتراضها بل وامتعاضها من هذا الاتجاه الذى يهدد وحدة سوريا، وزاد مسافة التباعد بينهما عندما رفع أكراد سوريا علما خاصا بهم غير العلم القومى السورى.

واستمر أكراد سوريا فى خطين متوازيين، الأول الاتجاه نحو حكم ذاتى فى إطار دولة سورية فيدرالية، والثانى المشاركة بممثلين منهم فى وفد المعارضة السورية للتفاوض من أجل تسوية الأزمة السورية تسوية سياسية.

وقد أثار موقف الأكراد السوريين، وما حققوه فى مجال التدريب العسكرى والحصول على أسلحة أمريكية متقدمة، قلق وغضب تركيا التى رأت فيه خطرا كبيرا عليها خشية عودة التواصل بين الأكراد السوريين والأكراد الأتراك خاصة حزب العمال الكردى التركى، إلى جانب أنهم ــ أى أكراد سوريا – إذا حصلوا على الحكم الذاتى ستنتقل عدواه إلى أكراد تركيا. ومن ثم أصرت تركيا على تأمين حدودها مع سوريا بإقامة منطقة آمنة تبعد الأكراد السوريين عن الحدود بمسافة لا تقل عن 30 كيلو مترا وإنها ستعيد أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين غير الأكراد لديها لتوطينهم فى هذه المنطقة الآمنة. وأعدت تركيا خطة عسكرية لتنفيذ برنامجها لإقامة المنطقة الآمنة على حدودها مع سوريا ولم تعط اعتبارا كبيرا لحماية الأمريكان للأكراد ووجود قوات أمريكية معهم.

وكان أمام أكراد سوريا عرضا مفتوحا من النظام السورى بالعودة إلى أحضان دولتهم كما كانوا قبل نشوب الأزمة السورية، ورفع علم دولتهم سوريا والتخلى عن فكرة الحكم الذاتى والاكتفاء بمشاركتهم فى التسوية السياسية للأزمة السورية، وإعادة دمج قواتهم «قسد» فى الجيش العربى السورى الرسمى. ولكن أكراد سوريا تمسكوا بموقفهم ونسوا أو تناسوا كل ما حدث من ومع أكراد العراق.

وكانت النتيجة أن تم توافق بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا على أن تدخل قوات تركيا شمال شرقى سوريا حتى يبتعد الأكراد إلى داخل سوريا بمسافة 30 كيلو مترا وتشكيل دوريات تركية روسية على مناطق الحدود فيما يسمى المنطقة الآمنة وذلك إلى أن يبدأ تدريجيا حلول دوريات من قوات النظام السورى وروسيا محل القوات التركية لضمان استمرار ابتعاد الأكراد عن الحدود السورية التركية، والعودة تدريجيا للعمل باتفاقية أضنه الموقعة بين سوريا وتركيا فى عام 1998 والتى تنظم ترتيبات الأمن على الحدود بينهما وذلك بعد إجراء بعض التعديلات عليها.

أما عن أكراد سوريا فإنهم قبلوا من حيث المبدأ العودة إلى أحضان الدولة السورية، وبحث دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التابعة لهم فى القوات المسلحة السورية، والتركيز على مفاوضات التسوية السياسية للأزمة السورية. ولكن كل ذلك بعد تكبدهم خسائر كبيرة على كل الجبهات وعدم تعلم الدروس المستفادة من تجارب الآخرين، وأن الاعتماد على أمريكا غير مضمون العواقب.

“الشروق” المصرية

طباعة