aren

أردوغان.. ووعد بلفور الجديد \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 29 - ديسمبر - 2018

اردوغان

تسارعت التطورات في سوريا خلال أقل من أسبوع، وكلها من النوع المهم والمؤثر. بدايتها؛ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا خلال مئة يوم، ليأتي التطور الثاني بإعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه أجّل إطلاق اجتياحه لمناطق شمال شرقي الفرات؛ حيث «قوات الحماية الكردية»، ومن ثم الإعلان «أن الجيش التركي لن يتأخر في الهجوم على تلك المناطق»، بعد ذلك سربت محطة «سي إن إن» التلفزيونية بعضاً من محادثة ترامب الهاتفية مع أردوغان وقوله لأردوغان: «سوريا كلها لك، افعل فيها ما تشاء. لقد انتهينا هناك!». ومن ثم إعلان أردوغان، أنه وجه دعوة لترامب؛ لزيارة تركيا عام 2019.

حتى الآن لا يعرف بدقة دوافع قرار ترامب، بالانسحاب من سوريا. بعضهم يعزوه إلى خلافات داخلية بين ترامب وخصومه، دون مبررات مقنعة، وبعضهم يعيده إلى رغبة ترامب بالتفرغ لمنطقة شرقي آسيا؛ لكن هل يصدّق عاقل أن الولايات المتحدة يمكن أن تنسحب من أهم منطقة لها في العالم؛ حيث توجد الثروات الطبيعية و«إسرائيل»؟!

يمكن أن نربط بنسبة عالية قرار ترامب بعنوان كبير؛ وهو استعادة تركيا إلى حضن الولايات المتحدة، عشية تهديد تركيا باجتياح مناطق شمالي سوريا، والتأييد الروسي لمثل هذا العدوان، أملاً في أن يصطدم الأمريكيون بالأتراك، وتتسع الهوة بين أنقرة وواشنطن؛ فتخرج موسكو رابحة.

اتبع ترامب خطة متدرجة؛ بدأت من اجتماعه مع أردوغان في الأرجنتين في «قمة العشرين»، وتلاها إعلان الولايات المتحدة تسليم طائرات «إف 35»، كما الموافقة على بيع صواريخ «باتريوت» إلى تركيا، وبدء التضييق- كما ورد في وسائل الإعلام- على جماعة فتح الله غولين في الولايات المتحدة. ومن ثم كانت المكالمة الهاتفية بين ترامب وأردوغان، التي أعقبها قرار ترامب (الانسحاب في سوريا).

وقبل كل هذه التطورات، كانت واشنطن تلغي العقوبات المفروضة على تركيا؛ بعدما أطلق أردوغان سراح القس الأمريكي أندريه برانسون في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

تقع هذه الإجراءات في إطار سياسة أمريكية جديدة، تعيد المياه إلى خط (أنقرة-واشنطن)، وتحول- برأي واشنطن- دون المزيد من التقارب التركي مع روسيا.

في المقابل، كانت تركيا مستعدة للتجاوب مع هذه المبادرات الأمريكية؛ فهي توفر على أنقرة احتمال الصدام مع القوات الأمريكية في حال غزو شمالي سوريا، كما أنها تراهن على تأجيل استحقاق ملف إدلب؛ بعدما وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إعطاء تركيا مهلة إضافية، حتى أواخر فبراير/شباط المقبل؛ لإنهاء هذا الملف، وسحب المسلحين المتشددين من هناك، علماً أن أحداً لا يمكن أن يميز بين المجموعات المسلحة هناك؛ بما فيها «الجيش الحر». وبالتالي يمكن في ظل وقوف الولايات المتحدة إلى جانب تركيا هذه المرة بشكل واضح، أن تأمل تركيا بأن تحتفظ بإدلب بشكل أو بآخر، مراهنة على أن روسيا لن تعمل على خسارة تركيا أو على الأقل خسارة ما حققته حتى الآن من صواريخ «أس 400»، والمفاعل النووي، وخط النفط.

لكن تركيا قد تجد نفسها أمام سباق مع الوقت، فانتظار شهرين أو ثلاثة لاكتمال الانسحاب الأمريكي، يمكن أن يخلق بشكل جدي وقائع جديدة في ما يتعلق بخيارات الأكراد، واحتمالات التفاهم مع روسيا ودمشق؛ لمنع الجيش التركي من غزو شمالي سوريا؛ لذا لن يكون مستبعداً أن تهرع تركيا بالتنسيق مع الأمريكيين لغزو مناطق سيطرة «قوات الحماية الكردية» قبل أي احتمال لتنسيق (كردي – روسي- سوري).

أن تبيع الولايات المتحدة الأكراد، وتتخلى عنهم، أمر كان متوقعاً في لحظة ما. فما بين «حفنة» من الأكراد، ودولة كبيرة مثل تركيا؛ ستختار واشنطن حتماً تركيا، وما كان يجري من دعم أمريكي للأكراد، لم يكن سوى سحابة صيف استخدمت خلالها واشنطن الأكراد قبل أن تتخلى عنهم، وهي التي خطفت مع «إسرائيل»، زعيمهم عبدالله أوجلان من كينيا، وجلبته إلى تركيا مطلع عام 1999، وهي التي رصدت جوائز بقيمة 12 مليون دولار على ثلاثة من كبار قادة «حزب العمال الكردستاني» في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

لكن ما هو مستغرب أن يظهر ترامب على أنه يمنح سوريا لأردوغان في استذكار لوعد بلفور لليهود في فلسطين. وإذا كانت سوريا ليست ملكاً لترامب ليهبها لأحد، فإن المؤكد أن الصمت التركي على مثل هذا الكلام، وعدم نفيه؛ يؤكد ما كنا نكرره دائماً أن السياسة العثمانية لأردوغان؛ كانت تهدف إلى السيطرة على كل المنطقة من سوريا والعراق إلى مصر والخليج وليبيا وتونس. ولما فشلت هذه «العثمانية الموسعة»، انتقل أردوغان إلى تطبيق الخطة «ب»؛ وهي العثمانية المُصغرة أو ما يكرره أردوغان نفسه؛ وهو احتلال المنطقة، التي كانت ضمن حدود «الميثاق الملّي» لعام 1920، وتضم الشمال السوري بشكل كامل، والشمال العراقي بشكل كامل أيضاً؛ متذرعاً بوجود «إرهاب كردي».

“الخليج”

طباعة